الرئيسيةاخبار الاصلنظرة في العيد مفهوما، تاريخا ومصطلحا!!! بقلم منير فرّو
اخبار الاصل

نظرة في العيد مفهوما، تاريخا ومصطلحا!!! بقلم منير فرّو

العيد هو من العودة والإعادة والتكرار وهذا يعني التجديد ، فالحياة تكمن فيها أسرار وإلغاز يعجز العقل البشري عن إدراكها دون تعليم ممن خصّهم الله بفيض النبوة ، فكل شيء في الحياة يتجدد لينبعث من جديد بهدف الاستمرار والبقاء ، فتتساقط أوراق الأشجار في الخريف لتعود لتزهر من جديد في الربيع، تغيب الشمس في آخر النهار لتعاود إطلالتها من الشرق لتشرق من جديد، لقوله تعالى : ” والشمس تجري لمستقر لها “، وبإشراقها المتجدد تعود معلنة عن بدء يوم جديد، ومن هنا جاءت تسمية الليل والنهار بـ “الجديدان” لأنهما يتجددان ، وبهذا التجدد تعاود البشرية نشاطها بعد قضاء يوم شاق في العمل الدؤوب كدوران الدم في عروقنا لنبقى على قيد الحياة ،

إن الأضحى مشتقة من كلمة ضحى، وهو الافتداء ومعناها القربان والتقرب والامتحان، والأنبياء كانوا أول من يمتحنهم الله في تأدية وتبليغ الرسالة، ليكونوا مثلا يقتدى بهم، لذلك من يقرأ قصص الأنبياء يرى فيها أن الله كان يمتحنهم، فيسلط عليهم المحن والعداوات والأمراض، وأصعب امتحان كان أن يقدموا اعز شيء على قلوبهم قربانا، كامتحان سيدنا إبراهيم بابنه، وكامتحان سيدنا يعقوب بفقدان يوسف ثم بنيامين، وامتحان سيدنا أيوب بالمرض، وامتحان سيدنا سليمان بالملك، وامتحان سيدنا يوسف بالسجن، وسيدنا يونس بفقدان أسرته وابتلاع الحوت له، فبدون التضحية ما كان النبي يحظى بتأييد الله، وعندما كان النبي يقبل أمر الله كان يحظى بعطاء الله، كما حظي سيدنا إبراهيم الخليل بابنه عندما رضي أن يضحي به، ولا ننسى أن المفتدى به كان راضيا بما يفعله سيدنا إبراهيم مرضاة لخالقه، حتى صار يرشده في كيفية شد وثاقه، وكيفية وضع السكين على رقبته، وأيضا عندما رضي سيدنا يعقوب واستسلم لقضاء الله وابتلائه حظي بابنيه يوسف وبنيامين حتى صار اللقاء، لذلك الأنبياء هم في السلم الأعلى للامتحان، ثم الأولياء، ثم الأدنى بالأدنى كل حسب درجته حتى يصبح في إمكان كل نفس بشرية ان تضحي بكل ما تملكه من روح وجسم ومال وأهل وولد لله تعالى مالك الملك وباعث الرزق أسوة حسنة بالأنبياء .

إن النظام الكوني دلالة كبيرة على عظمة صانعه وخالقه التي حارت به العقول والألباب وعادت الأبصار خاسئة حسيرة لكمال الصنعة، وبما أن عيد الأضحى وهو العيد الكبير وهو عيد النحر عيد التضحية، عيد ” الله وأكبر”، وعيد الاضحى يأتينا كل عام في 10 من ذي الحجة وهو الشهر الـ12 من السنة القمرية أو التقويم الهجري، المبني على دوران القمر كما الأشهر الميلادية على دوران الشمس، والعشر الايام التي تسبقه تسمى بالليالي العشر المباركة التي قال تعالى عنها : ” والفجر وليال عشر”، وأيضا يقول تعالى : ” ويذكروا اسم الله في أيام معلومات “، وقال تعالى أيضا : ” ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ “، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” صدق الله ورسوله .وعيد الاضحى يصادف يوم الحج وهو الركن الخامس في الإسلام وهو المجيء إلى مكة المكرمة والوقوف على جبل عرفات وإقامة شروطه من الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، والطواف والدوران يكون حول الحجر الأسود الكعبة شرّفها الله والتي هي البيت العتيق الذي اعتقه الله من وجه الجبابرة وقصة طير الأبابيل لأعظم برهان وأول من بناها سيدنا ادم عليه السلام قبل الطوفان لتكون قبلة تحج إليها الناس فيما بعد ، ثم جاءها بعد الطوفان سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء عليه السلام وكانت “أرضا غير ذي زرع” خالية من الماء مضحيا بابنه الذي جاءه بعد كبر ، تعبيرا عن مدى إيمانه بخالقه، فافتداه الله بكبش القصة ،لذلك مكة المشرفة لا تقل قيمة عن القدس فهي كما القدس، مقدسة لجميع الديانات، لأنها في الحقيقة بناء ادم عليه السلام أبي البشر، وموضع قدم أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وهناك أمره الله بان يذبح ابنه قربانا وامتحانا لعقيدته، لذلك في الجاهلية أي قبل الإسلام، كان الناس على اختلاف أديانهم يحجون إلى بيت مكة ويتباركون به ويقدمون الأضحية ويعلقون قصائدهم ومعلقاتهم على الحجر الأسود ،وايضا عندما فر النبي موسى عليه السلام من فرعون مصر جاء إلى مكة بوحي من الله .

ان عيد الأضحى تشترك وتتوحد فيه جميع الديانات، فاليهود أيضا يحتفلون فيه ويسمونه ” عقيدة إسحاق “، باعتقادهم أن القربان كان إسحاق لامه سارة وليس إسماعيل لامه هجر، والقران لم يذكر من هو الذبيح ولكن يتفق المفسرون على أنه إسماعيل، لأنه لو كان الذبيح إسحاق وقدّر الله بذبحه لما ظهر منه الأسباط الاثنعشر، وبقية الأنبياء والله أعلم، وأيضا عند الاخوة المسيحيين الافتداء من الفدية، والمسيح عليه السلام تسمى بالفادي لانه افدى بنفسه وعُلق على الصليب من اجل خطيئة ادم والإخوة المسيحيون يقومون برش في عيد الفصح المجيد دم شاة صحيحة “على القائمتين والعتبة العليا،” لأنه يرمز إلى دم المسيح الذي يحمي من الهلاك، وفي الاسلام يقف الحجاج على جبل عرفة لينحروا الذبائح لتوزع على الفقراء والمساكين لقوله تعالى : ” فصلّ لربك وانحر إن شانيئك هو الأبتر “، ، لان التضحية هي الفداء وشق الأنفس في قيام فرائض الله، لقوله جل وعلا عن الحج : ” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا “، فالدوران والطواف حول الكعبة ما هو إلا سر عظيم، مرتبط بسيدنا ادم، ثم بفداء سيدنا إبراهيم الخليل، وما فداء يسوع المسيح عنهم ببعيد، وبأسرار هذا الكون البديع، فالطواف سبع مرات والأفلاك سبعة وعدد الأيام سبعة والسموات سبع، والمثاني سبع وهي سبع الآيات التي تؤلف سورة الفاتحة في القران، وأيضا تعني السبع السور الطوال، والقران له سبع معان وسبعة أسباع وسبعة صنوف وسبع قراءات وسبعة أحرف وسبع لهجات، والسعي بين الصفا والمروة سبعة.. ودركتها سبعة. وكذلك رمي الجمار سبعة. وأبواب جهنم سبعة ودركتها سبعة :” لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم “، .وامتحان يوسف عليه السلام سبع سنين، لقوله تعالى:” فلبث في السجن بضع سنين” ، وإيتاؤه ملك مصر سبع سنين :”وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان” ، وتركيب الإنسان على سبعة أعضاء…وأمر بالسجود على سبعة أعضاء. .وضرب الله المثل لمن ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبة انبتت سبع سنابل.. ، واعجازات القران في هذا الشأن لا تعد ولا تحصى وهي عبرة لأولي الإيمان، كما قال تعالى في كتابه العزيز : ” ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله”.

ان حقيقة العيد اذًا هو من العودة إلى ذواتنا، والتأمل في أسرار هذا الكون البديع، والوقوف على أسرار الروح الموجودة داخل أجسادنا وبدونها يكون الموت، وندرك ما سر الوجود وسر وجودنا وسر دوران الأيام والأفلاك والكواكب واشراقة الشمس وغروبها وتجدد الطبيعة ، فالإنسان عليه الاعتبار بهذه الأحكام والأنظمة الكونية والتي هي على غاية من النظام والإتقان والتي لم توجد لمجرد الصدف ولم تكن لتوافق داروين في نظريته ” النشوء والارتقاء “، التي هي سبب لوجود الأفكار الكفرية كالشيوعية الماركسية ذات النظرة الديالتيكية الجدلية والتي منها خرجت الرأسمالية الإمبريالية ودعت الإنسان إلى الصراع مع الله وإنكار وجوده، وقد ثبت مؤخرا عدم صحة حقيقة هذه النظرية،

وأخيرا ادعو نفسي قبل ان أدعوكم أهلني وخلاني وأخوتي وأخواتي: أن تُحاسِبوا نفوسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وان ترجعوا إلى طريق الهداية والنور قبل أن يأتيكم : ” يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ” وأيضا قبل أن : “يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ” وأيضا قبل أن يقول احدنا : ” يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا ” وأيضا قبل أن يقول الكافر: ” يا ليتني كنت ترابا” .
إخواني تفكروا في هذه الآيات واتعظوا منها ولا تسخروا منها لقوله تعالى : ” فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير” وأيضا : ” وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد “.
جعلني الله وإياكم ممن يتقرب إليه بخالص الأعمال، وحسن النوايا والسجايا والخلال، ونزع من صدورنا الغل والأحقاد، وبصّرنا بعيوب أنفسنا وألهمنا في هذه الأيام وكل الأيام إلى التوبة والإنابة، وغفر لنا ما تقدم وما تأخر من الذنوب والأوزار، انه ولي ذلك ، جعلها الله أياما مباركة مليئة بالروحانيات وصفاء النيات، وتقبل منا التوبات، وكل عام والجميع بألف خير .

فليكن اضحانا تضحية في نفوسنا واجسادنا لخالقنا العظيم والامتناع عن معصيته، وتجنب الصغائر والكبائر من الذنوب، كالقتل، الزنا السرقة، الغش، الفسق، أفكار السوء التي تنجس الإنسان الغيبة والنميمة والحسد والكبر والعجب والجاه وحب الرئاسة وأيضا الاعتراف بأننا عبيد وفقراء لهذا الخالق وانه مصورنا ومحيينا لنطلب مغفرته ونتوب إليه ليرحمنا برحمته ويجمعنا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله ، جعل الله أيامنا كلها أعيادا وكل عام والجميع بألف خير وسلام يرفرف بيرقه على المنطقة التي ملّت الحروب وزهق الأرواح .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *