الرئيسيةاخبار الاصلد. فايز عزام عسفيا الموقع والاسم
اخبار الاصل

د. فايز عزام عسفيا الموقع والاسم

سكنت عسفيا منذ آلاف السنين بدليل المغر والسراديب والإنفاق الممتدة على طول البلدة التاريخية القديمة. والتي كما يظن أنها استعملت للسكن او حظائر للمواشي او برك مياه او مخابئ او مقابر. هذا عدا بقايا حيطان وآبار. وقد تعاقب على سكناها عدة شعوب واحد تلو الآخر، واحد يرث الأخر. ومما يدل على تقلب السكان اسمها القديم ووجود كنيس يهودي وكنيسة للنصارى ومزارا لولي مكان الخلوة الشرقية.
والبلدة القديمة تمتد على الذراع الممتد من الخلوة الشرقية الى حارة النصارى او حارة الانطش في الغرب. فمن المتناقل: إن بين القبة والتنور سبع جرار ذهب.” والقبة هي الخلوة الشرقية التي كانت مزارا يعلوها قبة. والتنور هو حفرة يقال إنها كانت تحت حجر المعصرة في ساحة الانطش. وأما من الجنوب والشمال فهي الحواكير التي تراكم فيها تراب ردم بيوت القرية التي هدمت على مر السنين بفعل الإنسان او عوامل الطبيعة ومن نفايات القرية بما فيها من قطع الفخار.
وهذه الحدود من الجنوب شارع عسفيا دالية الكرمل الممتد من ساحة الانطش حتى بين المرحوم الشيخ احمد سابا . وفي الشمال تمتد من بيت المرحوم الشيخ أبو كمال نجيب منصور غربا حتى المقبرة القديمة شرقا.
ويبدو أن عسفيا كانت من أهم المواقع التي استوطنها الإنسان في الكرمل. وقد تضاهيها الشلالة وسماقة والكرك لما فيها وفي هذه الخرب من آثار تشهد على ذلك.
إن وجود اثرين تاريخيين: الكنيس والكنيسة، شاهدان على استيطانها القديم وعلى تقلب الأمم عليها. ويظن إن الكنيسة أقيمت في فترة متأخرة عن الكنيس، ربما في الفترة الصليبية.
ومن المعلوم انه تقع بجوار عسفيا خربتان: الخربة الشرقية قرب خزان المياه، والخربة الشمالية قرب ملعب كرة القدم. ومن الملاحظ أن عسفيا والخربتان معا تقع بجوار عين البلد، مما يدل على مركزية هذه العين باستيطان هذه القرى. لا شك أن عسفيا هي اكبر هذه الخرب وأطولها استيطانا، بحكم اتساع القرية وتعدد الآثار فيها.
والسؤال هل هذه المواقع الثلاث عاشت معا؟ أم أن كل واحدة في فترة مختلفة. تخرب الواحدة فتعمر الأخرى.؟ وقد تكون عسفيا البلدة المركزية وهذه الخرب امتداد لها، تدور في فلكها. وهناك من يظن أن هاتين الخربتين كانتا عينا لعسفيا على المرج، وحماية لها من أي هجوم او تعد. لانهما اعلى منها ومطلتان على الجهة الشرقية والغربية والشمالية.
وإذا رجعنا الى الاسم: عِسِفيا او عسفيا او عسفية؟
فان الاسم المتبع والمتفق عليه هو عِسِفيا. وهذا الاسم ليس من وضع أجدادنا، بل هو اسم قديم متوارث.
يقول البعض أن هذا الاسم مأخوذ من عاصفة او من الجو العاصف او من العواصف. وهذا لا يصح. لأنه لو كان كذلك لكان اسمها عاصفية، مثل خربة الغابسية، في الجليل، من غابس. والحازمية في العراق من حازم. او عاصفوية.
كما أن عسفيا لا يمكن تكون من عاصف. لان الصاد لا تقلب سينا بل العكس.
مثل حمّس القهوة، صارت حمّص.
والسفاح قرب العين، من سفح، أصبح صفاح.
وصرطان من سرطان.
ووادي سلامة، انقلبت الى صلامي، بلغة أهل المغار.
ويقول اخرون ان اسمها مشتق من عسّاف. ولو كانت كذلك لكانت عسّافية مثل العبّاسية، في العراق، من عبّاس. والهبّارية في جنوب لبنان، من هبّار.
إذن الاسم ليس عربيا.
وهو أيضا ليس عبريا. لعدم وجود جذر عسف ولا عصف ( עסף , עצף ) في اللغة العبرية.
فإذن ماذا اصل هذا الاسم ومعناه ؟
قد يلقي ضوءا على هذا السؤال ما اكتشف بين محفوظات جنيزا القاهرة، وهو أرشيف وجد في غرفة في الكنيس اليهودي هناك، اعتاد يهود القاهرة أن يضعوا فيه كتبا وأوراقا ورسائل ووثائق خلال الفترة الواقعة من سنة 1000 – 1900 م، حفظا لها او حرصا عن رميها في النفايات، احتراما لما فيها من اسم الله او الأنبياء او تقديرا لحروف اللغة العبرية. وهذه الجنيزا اكتشفت قبل أكثر من مائة سنة، وقد عثر فيها على مرثية للقرى والمدن اليهودية التي هدمت بيد الأعداء، وقد ورد فيها اسم حيفا وحوسفيا ” يذكر الله لعبده حوسيفا، مسنون ذبحوا، ذابت روحي، ورعدة أمسكتني على خراب حيفا.” יזכור אלוהים לעבדו את חוסיפה, זקנים טבחו ונפשי דלפה, זלעפה אחזתני על חורבן חיפה”.
لا يعلم متى كان ذلك الخراب. ويقول البعض آن الخراب كان سنة 624 م ، بيد قيصر بيزنطية الذي استرجع البلاد من الفرس. فبعد أن انتصر البيزنطيون الروم على الفرس، عاقبوا اليهود الذين دعموا الفرس. ويظن آخرون أن ذلك حدث عند مجيء الصليبيين لبلادنا حوالي سنة 1100 .
وقد ربط المؤرخون اليهود بين عسفيا وحوسيفا لتشابه الأسماء بينهما ولتجاور عسفيا مع حيفا. وظل الأمر خاطرا يحتاج الى دليل. وقد رجح هذا الرأي اكتشاف كنيس يهودي بالقرب من الخلوة الغربية في عسفيا وبجوار المعصرة الذي تم سنة 1933. وقد وجد فيه أرضية من الفسيفساء استخلص جزء منها، والباقي كان قد دمر او اصبح تحت احد البيوت. وهذه الفسيفساء موجودة في متحف روكفلر في القدس. ولم يعثر على مثل هذا الكنيس في الكرمل سوى في خربة سماقة وربما في الشلالة ايضا.

الفسفساء التي وجدت في الكنيس في عسفيا كما هي في متحف روكفلر في القدس
المصدر: אבי-יונה, מ’, “בית הכנסת העתיק של חוסיפה”, הכרמל – אדם וישוב: לקט מאמרים, החברה להגנת הטבע, תשמ”ז, עמ’ 64-67.
ومع الزمن حرفت لفظة حوسيفا الى عسفيا. إذ انقلب حرف الحاء عينا، لان كليهما حروف حلقية. يعني التي تخرج من الحلق وهي: (ء- هـ- ع- ح- غ- خ)
إن كلمة حوسيفا ليست عبرية لأنه لا يوجد جذر حسف (חסף ) في اللغة العبرية. وان وجد جذر חשף فغالبا ما تقلب ש ( السين) شينا باللغة العربية مثل עשב , שבע تصبح عشب وشبع. كما لم نجدها لكلمة حوسيفا اصولا في اللغة الآرامية. ولم نجد لها معنى في اللغتين.
اخيرا، نستطيع القول أن كلمة عسفيا أصلها حوسيفا. وهو اسم قديم. أقدم من العرب والعبرانيين والآراميين. فربما كان كنعانيا او أقدم من ذلك. والله اعلم.
وان صح آن اسم عسفيا مأخوذ من حوسيفا، يظل هذا الاسم مجهول الهوية والمعنى. غير معروف من وضع هذا ومتى.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *