الرئيسيةاخبار الاصلد. فايز عزام أسطورة دروز وادي سلّامة
اخبار الاصل

د. فايز عزام أسطورة دروز وادي سلّامة

ورد في كتاب ظاهر العمر لمؤلفه توفيق معمر المحامي الصادر سنة 1979 ص 30- 32 قصة تقول:
كان في قرية سلامة شيخ درزي شديد البطش باسط نفوذه على من جاوره من قرى الشاغور . وكان من عادة هذا الشيخ انه كلما أعجب بفتاة أرسل طلبها من أبيها وأخذها رغما عنهم إن لم يوافقوا. مر يوما هذا الشيخ بقرية عرابة فوقع بصره على فتاة فأعجبته فأرسل يطلبها من أبيها.
شق الأمر على أهل عرابة سيما إنهم سنة والشيخ درزي. فشكوا الأمر الى زيدان. فنصحهم زيدان إن يتظاهروا بقبول طلبه. فلما جاء الشيخ الدرزي برجاله استقبلهم اهالي عرابة ورحبوا بهم واخذوا أسلحتهم واستضافوهم في بيوتهم، واتفقوا إن كل مضيف يذبح ضيفه بعد إن يسمع الإشارة المتفق عليها. فقتلوهم جميعا وهجموا بقيادة زيدان ومساعدة عرب الصقر على قرية سلامة وقتلوا من فيها وهدموها. ثم تجمعت القرى المجاورة لعرابة وغاروا على القرى الدرزية في وادي سلامة مثل النجيمية ودلاثة وكمانة والمرجم والربضية وسبانا وأم العمد وحازور فنهبوها وهدموها وهي اليوم خرائب. وقد اتسع نطاق هذه الحملة حتى ضمت نطاقها قرى درزية أخرى في الجليل فسقط بعضها وبلغ عدد القرى الدرزية التي هوجمت وخربت أربع عشرة قرية.”
وقد نقل المؤلف هذه القصة عن كتاب خطط الشام لمحمد كرد علي الذي نقلها بدوره عن مقال للخوري مرقس الخوري المنشور في مجلة الزهراء الصادرة في حيفا سنة 1924. كما سمعها من عدة رواة، ليس فيهم درزي.
وعلى اثر هذه المعركة وانكسار الدروز، حكام الشاغور، انتقل حق التزام منطقة الشاغور الى مشايخ عرابة، وورث الزيادنة زعامة الشاغور، فكانت بداية حكم الزيادنة وشيخهم اظاهر العمر الزيداني.
هذه الرواية مرفوضة وغير صحيحة للأسباب التالية:
أولا: هذه القصة أسطورة، لانها تشبه الحادثة في قصة الزير سالم التي فيها كليب بن ربيعة التغلبي اخو الزير قتل التبع اليماني، ملك اليمن، الذي أراد الزواج من جليلة ابنة عمه مرة البكري غصبا، وأساطير أخرى مشابهة.
ثانيا: من المعروف إن الزواج من خارج الطائفة مكروه عند الدروز.
ثالثا: لقد اشتهر الدروز بالعفة. فلم يذكر التاريخ أن زعيما لهم عمل مثل هذا العمل. وقد كان منهم الأمراء والمشايخ الإقطاعيون والقواد والزعماء. وكتب التاريخ حافلة شعرا ونثرا بالإشادة بعفتهم وصونهم للعرض، بشهادات الدروز وغيرهم.
رابعا: ولو فرضنا أن هذا الشيخ شذ عن الطريق. أيعقل أن قرية بأكملها من الدروز تقف معه؟ أين عقال الدروز ومشايخهم ورجال الدين منهم؟
خامسا: ودعما لما نقول فان هناك تناقضا في الروايات. فالقس اسعد منصور في كتابه تاريخ الناصرة الصادر 1924 يقول ص 48- 49 : أرسل شيخ سلامة يخطب لعبده زوجة من خيرة اسر عرابة فكبر عليهم الأمر واستشاروا زيدان. وبقية القصة معروفة. إذ قتلهم وتعقب من فر منهم الى الراحة (الروحة) وأجهز عليهم. ويضيف: ينكر البعض نسبة هذه الرواية الى أسرة درزية وينسبها الى أسرة علوية.”
سادسا: وهذا د. شكيب صالح في كتابه بالعبرية تاريخ الدروز، يذكر هذه الحادثة في ص 195، ولكنه ينفي قصة طلب الشيخ الزواج من فتاة من عرابة. وفي حديث معه يميل الى الاعتقاد أن هذه الرواية نخفي وراءها حدث اكبر، وهو أن سكان سخنين وعرابة ودير حنا الأصليين كانوا دروزا. ولسبب ما استغلوا زعامة الزيدانيين لترك الدرزية.
سابعا: أما دكتور شكري عراف فلا ينكر الحداثة، ولكن يرى انه يغلب عليها الخيال والمبالغة.
وبعد أن برانا الدروز من هذه التهمة وخلصنا أهالي عرابة من تخاذلهم في الحفاظ على عرضهم إلا بالاستعانة بالأغراب، فانا ننكر هذه الحادثة من أساسها.
فحسب اعتقادي لم يكن هناك استيطان درزي في وادي سلامة، ولم يكن زعيم درزي يحكم تلك المنطقة. والبرهان على ذلك:
1: في دفتردار الدولة العثماني لسنة 1596 الذي يورد أسماء المدن والقرى التي دفعت الضريبة في الجليل في تلك السنة،لم يرد ذكر أي قرية من القرى الواردة في القصة: النجيمية وكمانة والمرجم والربضية وسبانا وأم العمد وحازور، ما عدا دلاثة. مما يعني أنها لن تكن مسكونة حول هذا التاريخ. ويستبعد أن هذه القرى نشأت بعد هذه السنة وتزعمت المنطقة خلال اقل من 80 سنة. إذ أن حادثة سلامة حدثت حسب رأي بعض المؤرخين سنة 1683.
2: هناك تناقض حول تاريخ وقوع هذه الحادثة. فالبعض يقدر تاريخ وقوعها كما ذكرنا سنة 1683، أما عيسى اسكندر المعلوف في كتابه دواني القطوف فيؤرخها سنة 1698.ثم إن بروفيسور اريئيل هيد في كتابه ظاهر العمر بالعبرية يستبعد إن تكون الحادثة قد جرت زمن زيدان جد ظاهر سنة 1698، ويقول: ربما حدثت زمن الظاهر بعد سنة 1710.”
3: إن ومخائيل نقولا الصباغ العكاوي مؤلف كتاب الشيخ ظاهر العمر الزيداني، حاكم عكا وبلاد صفد، والذي اخذ تاريخ الظاهر عن أبيه وجده إبراهيم الصباغ، الذي كان كاتب ظاهر وطبيبه، أقدم من إلف عن الظاهر، لم يذكر في كتابه هذه الحادثة. ومن المفروض أن روايته اصدق لانها اقرب الى الإحداث زمنا وموقعا ومعايشة .
4: كما إن الأمير حيدر الشهابي الذي إلف كتابه تاريخ الامير حيدر حوالي سنة 1840، قبل توفيق معمر وقبل اسعد منصور، لم يذكر هذه الحادثة.
5: إن الروايات التي تتعرض لهذه الحادثة لم تذكر اسم الشيخ الدرزي ولا اسم عائلته. فهل يكون زعيم بهذا المقدار مجهول الاسم؟
6: لم تسجل كتب التاريخ اسم أي زعيم درزي في منطقة الشاغور. ولو وجد زعيم بهذه القوة والسيطرة لذكره التاريخ. كما لم تذكر هذه الكتب اسم أي عائلة درزية سكنت هذه المنطقة.
7: لا يعقل انه خلال 80 سنة أقيمت تلك القرى واستلمت زعامة المنطقة ثم اختفت، لا يعرف من أين أتوا والى أين ذهبوا ؟ ظهروا فجاة واختفوا فجاة.
8: لم يذكر توفيق معمر سوى ثماني قرى. فما اسم القرى الأخرى؟ ولم تذكر المصادر أسماء خرب درزية أخرى بالقرب من وادي سلامة.
9: أورد توفيق معمر في كتابه رواية عن محمد عبد الله الفقرا ودرويش العبد حمودة من البعينة أن ال حمودة في قرية البعينة جدهم درزي فر هاربا من قرية الكمانة، ولهم أقارب في ال طريف الدروز من المغار. فأين بقية العائلات التي هربت من هذه القرى؟ أذبحوا عن بكرة أبيهم إلا شخصا واحدا؟ لأنه لا توجد عائلات درزية تنتسب الى نازحين من وادي سلامة.
10: في دفتردار سنة 1596 كانت القرى الدرزية القريبة من وادي سلامة قائمة: الرامة والمغار وساجور وبيت جن. الم يسمع سكان هذه القرى بهذه المجزرة؟ ألم يهبوا للمساعدة؟ ألم يستقبلوا النازحين الهاربين؟ الم يلجا إليهم احد؟
11: فان لم يحرك دروز الجليل إصبعا، فهل الإمارة المعنية الدرزية، وهم حكام منطقة صفد،كانت تسمح بمثل هذا التدمير والقضاء على الدروز ؟
12: كيف نجت المغار والرامة من هذه المجزرة الموجهة ضد الدروز وهم جيران سلامة؟ ؟ وكيف لم يلحقهم أذى؟
13: معركة كهذه لو حدثت، لقضت على سكان قرية واحدة، مثلا سلامة قرية الشيخ. فهل معقول أنها تقضي على 14 قرية. ولو هدمت هذه القرى فهل قضت على سكانها جميعا. ألا يستغرب أن تحدث مجزرة مهذه تحت نظر الحكومة العثمانية ولا يكتب عنها او يحاسب عليها. وكان في البلاد مسئولون أتراك وقناصل دول أوروبية.
14: لم يحدث في بلادنا نزاع على هذا المستوى بين السنة والدروز خلال التاريخ. ولا يعقل إن علماء ومشايخ السنة كانوا يوافقون على مثل هذه المجزرة. عاش الدروز بجانب المسلمين جنبا الى جنب، ورغم حدوث المشاكل والنزاعات ألا أنها لم تصل الى هذا الحد من الشناعة والوحشية المزعومة.
15: يرى بروفيسور قيس فرو أنه ربما كان مستوطنو عسفيا الأوائل من نازحي وادي سلامة الذين فضلوا من سيف الزيادنة. ولكن لم ينقل عن أي عائلة عسفاوية أنها قدمت من وادي سلامة او أن لها أي علاقة به.
ولذلك نعتبر هذه القصة ملفقة هدفها الإساءة للدروز من قبل مؤلف القصة وناقليها، نابعة من التعصب المذهبي والافتراءات على الاقليات الدينية التي عانى وما زال يعاني منها الدروز .
لا ادري من اخترع هذه الحكاية -الإشاعة ومن نشرها ولمصلحة من؟ فلكل إشاعة صاحب وهدف ومصلحة.
لا أظنهم أهل عرابة لانها تحط من قيمتهم، إذ تصورهم إنهم لم يستطيعوا الدفاع عن شرفهم إلا بالاستعانة بغريب. ولا أظنهم من الدروز فأنها نصفهم بأنهم ظالمون لا عرض لهم.
قد يكون أشاعها احد أنباع الزيادنة بهدف إظهارهم أنهم انقذوا المسلمين من الظالمين، وأنقذو أعراضهم. وأنهم ورثوا زعامتهم بعد أن قضوا على زعامة ظالمة جائرة بحق المسلين والدين.
وللأسف ردد الدروز هذه القصة وساهموا في نشرها ظنا منهم أنها تظهرهم حكاما أقوياء زعماء منطقة، وأصحاب بلاد وقرى سلبت منهم، ولهم تاريخ في هذه المنطقة. وهو وهم يدغدغ مشاعر العظمة، يحب التخلص منه.
فلينكر الدروز هذه الرواية المشوه لتاريخهم وينكرها أهل عرابة، والمؤرخون أيضأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *