الرئيسيةاخبار الاصل“صمتٌ خلف جدران ديوان الشاعرة رتيبه قبلان حسّان” بقلم مسعد خلد
اخبار الاصل

“صمتٌ خلف جدران ديوان الشاعرة رتيبه قبلان حسّان” بقلم مسعد خلد

لو نظرنا الى الانسان السّعيد لوجدناهُ: إما يبني منزلا أو يضعَ لحنا أو يكتبَ قصيدةً… يزرعُ أرضا أو يرسمُ رسما أو يربي طفلا …انها عمليةُ خلقٍ وبناءٍ وبحثٍ عن الطموحِ والوجود، وهذا ينطبقُ على الأدبِ (خاصة الأدبِ المهموسِ- والذي يحاول فيه الشاعر أو الكاتب، أن يعبر عما يلج في نفسه بصدق وإخلاص) من شعرٍ ونثرٍ يستمدُّ جمالَه من الطبيعة، البساطةِ، الليونةِ، الصدقِ والصّياغةِ الشعريةِ الخاليةِ من التكلفِ…كذلك لا يمكننا أن نفهمَ الرموزَ الفنيّةَ التي يبُثُّها الشاعرُ أو الشاعرةُ (كريمةُ أمسيتِنا الليله) بشكلٍ معزولٍ عن معرفةِ الطبيعةِ المحيطةِ والموروثِ التراثيّ وواقعِ حياتِها وتجاربِها وصراعِها، وعند فهمِنا لهذه الأمورِ نستطيعُ إدراكَ مدى استغلال الشاعرة لتلك التجاربِ في أعمالِها! هل أثّرَت ظروفُها على شِعرِها؟ هل تنبعُ صورُ المعاني الإنسانية عندها من صميمِ تجاربِها الحياتية؟ هل يكمنُ صدقُ المشاعرِ والوصفِ والجمال والصورِ الشعريّةِ في قصائدها، أم الزيفُ الفكريُّ والتكبُّر والصورُ المُغْبَرَّةُ الملطوشَةُ من بطونِ المعاجمِ والقواميس؟
وأديبتُنا الشاعرة رتيبه حسّان ابنةُ فلاحين (مثل حالتنا)، وهي أمٌ، مربيّةٌ، طموحةٌ ومبدعةٌ… اذا تعمّقنا بأشعارِهاِ، وبنِتاجِها الفكريِّ، نجدُ بانَها أولَتِ المرأةَ اهتمامًا كبيرًا، ورموزُها أصيلةٌ من البيئةِ التي تحياها، توصلُنا الى المعاني بسهولةٍ، دونَ تعقيدٍ أو استعراضِ معرفةٍ، وهذه من أهمِ سماتِ الجمالِ الأدبي.. وقد اخترتُ أن أتطرّقَ لديوان “صمتٌ خلف الجدران” الصادر عام 2004 ومن أجوائه كتبتُ نثرا يعبّرُ عن مُجمَلٍ عام بما يلي: إن التعابيرَ الحسيّةَ، والانفعالاتِ الانسانيةَ التي تطغى على أفكارِنا حينَ نلجأُ الى رُكنِ النفسِ الخفيِّ، باحثين عن حقيقةِ أعماقِنا، إِما أن تطفو وتثورَ ضدَّ الاستكانةِ، متحررةً من الصمتِ، وإِما أن تترسبَ خلفَ جروحِ الروحِ، لتلازمَ عمرَنا، عابثةً بالنفسِ، فتؤثرَ على مسارِ الحياةِ..وهذا يركُنُ في زوايا قصيدةِ “صمتٌ خلفَ الجدران” بينما في خبايا الديوان تستظلُّ المعاني، تحتَ تعابيرَ وأوصافٍ فنيةٍ مرهفةِ الحسِّ وشاعريةٍ راقيةٍ. حيث تقول:-
*صمتٌ خلفَ الجدرانِ…
هَسهسةٌ … أنينٌ… احتظارْ
وأنا هنا…
أكتبُ انهياري…
أحاولُ فكَّ القيودِ… أرفضُ انكساري…
** أما الديوان، فيجمعُ قصائدَ تعبقُ بألفاظٍ سيّالةٍ، بكلماتٍ مترابطةٍ، يلفُّها ايقاعٌ ساحرٌ، يأخذُنا الى أعالي الخيالِ، وجُملٌ بعيدةٌ عن التعقيدِ، جميلةٌ تشملُ ايحاءً متعدّدَ المعاني…تقول:-
*في سوقِ العبيدِ…
صعبٌ أن تتبدلَ الأدوار…
وتنقلبَ الكأسُ
رأسا على عقــبِ…
أتخافُ القتلَ… وأنتَ القاتلْ!!
أتخافُ الظلمَ… وأنت الظالمْ!!
يا لقسوتِكَ..
يا لروعةِ انهيارِك الشامخ!
** يطغى “الجوهرُ” على أشعارِ الديوانِ حيثُ نجحت الشاعرة رتيبه حسان، بأن تلمسَ جوهرَ الأحداثِ، فصاغَت منها “ماهيةً” سكبتها في قوالبَ رمزيةٍ، لتأخذَنا الى ما وراءِ الكلمات…تقول:-
*ليتَك تعرفُ ما معنى توحدي،
مع بركانيَ الصاعدِ……مع الطوفان!!
وليتَك تفهمُ
ما معنى الصمت القاتلِ
خلفَ الجدران…القاتلِ خلفَ الجدران!!
* هذه القصيدةُ، والتي احيلَ اسمُها عنوانا للديوانِ، ترمزُ الى نظرةِ الشاعرةِ – المرأةِ، الأمِّ – وتعامُلِها مع الرجلِ – شريك الحياةِ، الأبِ – والذي رغمَ موقفِه من المرأةِ، ورغبتِه في السيطرةِ، إلا انها توجهُ أنظارَه الى المشاركةِ الحقيقيةِ، والبحثِ عن السعادةِ والمحبةِ، كي يمكنَ التغلبُ على صعوباتِ الحياة…وتقول:-
*ولم أزلْ أحنُّ اليكَ
ولم أزلْ أشتاقُكَ
برغمِ أنني كسيرةُ صَمتي…
* معظمُ قصائدِ هذه المجموعةِ تدورُ حولَ الحبِّ الحقيقيِ الصافي، لا حاكمْ ولا محكومْ، لا ظالمْ ولا مظلومْ، والشاعرةُ تختارُ التفاهمَ والتعاونَ والسيرَ المشتركَ كي تغدو الحياةُ أجملَ… وتقول:-
أنا لا أَرضى بليلٍ
مفاتيحُ فجرِهِ في جيبِ رَجلٍ…
– يحتوي الديوانُ على قصائدَ تنبذُ الظلمَ والقتلَ والاحتلالَ على جميعِ ألوانِه وأصنافِه، بل تدعو الى التحررِ من قيودِ الصمتِ، (لا بدَّ من كسرِ الليلِ المستبدِّ)، ويبدو انها تنبّأتْ بما سيحدثُ من هزاتٍ وثوراتٍ شعبيةٍ، قمعتِ الحكامَ الظالمينَ، فجاءت قصيدةُ “سقوط”- لتلفتَ الأنظارَ الى ما يمكنُ أن يحدثَ نتيجةَ الكبتِ والظلمِ والقسوةِ، كذلكَ في قصيدةِ “يا سادةَ العرب – ص”38” حيث تقول:
ويلُكم يا سادةَ العرب…
ضاقَ جسدي بالألم…
وضاقَ هذا الكفنْ… بهذا الجسد…
تضوّعَتْ رائحةُ الأحلامِ في صدري…
ماتَ ربيعي عندَكُم…ونما قَحطي…”
* هذِه الرّمزيةُ القُصوى، والتي تبرزُ من بينِ كلماتٍ تبدو عاديةً، تعبثُ بالفكرِ، تُعيثُ الألمَ وتبعثُ الأملَ، لتدعمَ العملَ والتحررَ من القيودِ المحكمةِ، “واذا الشعبُ يوما أرادَ… أرادَ تغييرَ سادةِ العربِ، فلا بدّ أن يستجيبَ القدر”، طبعًا (مع الاعتذار من الشابي)، بالإضافةِ أيضا الى التحررِ من قيودِ العبوديةِ الفكريةِ، ومن أصفادِ الاستعبادِ الجسديِّ، وهذا يبدأُ بالمقاومةِ النفسيةِ والارادةِ القويةِ (كي لا يموتَ الربيعُ(…
أخيرا البعضُ من المفكرين العرب يعتقدون بأنه ينبغي أن نصلَ الى وقف إطلاق الشعر والتاريخ والأدب، وأن نتعاملَ بكلِّ ما أوتينا من طاقاتٍ مع العلمِ والتكنو-هايتيك أي مع الحضارة الماديّةِ، وأنا شخصيا، لا أنكرُ قيمةَ التقدمِ العلمي وأهميته، لكن ليسَ من حيث أن يجعَلَنا مجرّدّ آلاتٍ بدونِ روحٍ ومشاعرَ، فالفنُّ بجميعِ أشكالِهِ وألوانِهِ وأنواعِهِ هو من مظاهرِ الحياةِ، وإذا اختفى تختفي الحياة. أتمنى للشاعرة رتيبه دوامَ العطاء، وتجدُّدَ اللقاء مع ديوانها الجديد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *