الرئيسيةاخبار الاصلالعنفُ الكلاميّ، أو العنفُ اللفظيّن بقلم: الشيخ نبيه السيد أحمد إمام في قرية مجدل شمس
اخبار الاصل

العنفُ الكلاميّ، أو العنفُ اللفظيّن بقلم: الشيخ نبيه السيد أحمد إمام في قرية مجدل شمس


بدايةً دعونا نعرِّفُ العنفَ: العنفُ اللفظيُّ كارثةٌ أخلاقيةٌ قد تدمِّرُ الإنسانَ، (الطفلُ والمرأةُ والشباب). العنفُ عكسُ الرفقِ، وهو يعني معاملةَ الغيرِ بطريقةٍ غير لائقة، تحطُّ من قدْره، وتؤذي مشاعره. فالكلمةُ الّتي ينطقُها الإنسانُ، إمّا أنْ تصونَ كرامتَه وتنشرُ قيمَ التسامحِ والودّ والتعاون، أو تكونُ قنبلةً موقوتة تنفجرُ وتهدّدُ أمنَ المجتمعاتِ بما تحملُهُ من عنفٍ وقسوةٍ. فما بالكم إن كانت هذه الكلماتُ الجارحةُ تخرج من فم والدةٍ، أو معلِّمٍ يرافقُ الأطفالَ في بدايةِ نموِّهم وتكوينهم الشخصيّ!

قد تكونُ هذه الكلماتِ من باب الحرصِ والتربيةِ، إلاّ أنّها تحملُ في طيّاتها إساءاتٍ نفسيّةٍ لا يُفصحُ عنها الطفلُ فتكبر معه، وترافقه طوال حياته. ولقد تبيّن من خلال دراساتٍ عديدةٍ أنَّ الإساءة النفسيّة، سواءً العقليّة أو العاطفيّة، أكثر ضررًا على صحّة الطفل من الإساءة البدنيّة. ومن المعروف أن الخصام والعداء يبدأ بلفظةٍ بذيئةٍ، ويتطوّر إلى رفع اليد، ومنها إلى استخدام آلةٍ حادّة، ثمّ إلى سلاح وهكذا دواليك، وقد تنتهي بكارثة. فكما قيل: “المرءُ بأصغريهِ، قلبهِ ولسانهِ”.
إنَّ كافةَ الأديانِ والأعرافِ الاجتماعيةِ تدعو إلى احترام الآخر، ولا يكون الاحترامُ إلّا بالقولِ والفعلِ، فهذا مما يقوي أواصرَ المحبّةِ والتّعاونِ لبناءِ مجتمعٍ صالحٍ، وإنشاءِ أفرادهِ على القيم الخلاّقة، والّتربيةِ الصّحيحةِ، والأخلاق الحسنةِ. وقد قيلَ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:13).
الباري سبحانه أمرنا بالتقوى، لأنّك تقوى بها دينًا ودنيا. ولتكن أقوالنا بالطيب والخيّر أقوى لنا، فمن المهم جدّا، أنْ لاتكنْ أفعالنا أفعى لنا.
يتعرّضُ الإنسانُ في حياتهِ اليوميّةِ لبعض المواقف الّتي تُفرض عليه، وأحيانا تستفزُّه لتمتحنُهُ، حينها مطلوب منه التريث وعدم الانفعال لكي لا يقع في أخطاءٍ من توجيه كلام جارح، كالسبِّ والشتم والقذف الذي يندم عليه، وكل ذلك نتيجةٌ للانفعالِ والغضبِ. يُقال أنَّه جاء أحدُهم إلى الصحابيّ الجليلِ سلمان (ر): وقال له عِظني وأوجز. فقال له: “لا تغضب”، فقال له: وما بعدها؟ قال له ثانية: “لا تغضب” فقال: وما بعدها. فقال سلمان (ر): “لا تغضب”. فسأله: وإن غضبتُ؟ قال له: فإنْ غضبتَ، فأمسك يدكَ ولسانكَ. لأنَّ الغضبَ مِفتاحٌ لكلِّ شرٍ. والمرء يبقى مالكا لكلمتهِ طالما لم يلفظها، فان لفظها ملكتْهُ، لأنّها كالسهمِ متى انطلقَ لا يمكن إرجاعه، وقال الشاعر: “لسانك حصانك إن صنتُهُ صانك، وإنْ أهنته أهانك”. فعند توجيهِ الكلمةِ البذيئةِ لإنسانٍ تخاطبُهُ، فإنَّك تكون قد شرَّعتَ وفتحتَ كل الأبواب له بأنْ يردَّ عليك بمثلها وأكثر، وهكذا قد تتطور الأمور من كلام، ومنه لعنف جسدي، وخصام، وعدم التعاون، والابتعاد عن الأُلفة والمحبّة بين أفراد الأسرة والمجتمع. ومن آثار العنف اللفظي تدمير الذَّات، وترسيخ السلوك العدواني، كنهج للتعامل مع الآخر حيث تبدأ عندها علامات الاضطراب والاكتئاب.
فإنَّ السبيلَ لحمايةِ المجتمعاتِ من العنفِ اللفظيّ بدون الرجوع لمحكِّم الكتابِ، وتنشئةِ الأجيالِ على قيمِ الكلمةِ الطيبةِ وأثرها ونبذِ الكلمةِ العنيفةِ الخبيثةِ على سلامةِ المجتمعِ من الانحرافِ السلوكيّ المدمِّر.
فإنَّ للكلمةِ الطيبةِ فعل السّحر الشّافي للأرواح، فهي تؤدّي إلى أسر الإنسان الآخر، فتخفّف من غضبه، وتقلّل من طلباته، فيتعاونا لما فيه خير الجميع. لأنَّ كمالَ الإنسان بأخيهِ الإنسان، مع إمكانية وجود الاختلاف لا الخلاف. الاختلاف بالفكر الاختلاف بالدين. الاختلاف باللون أو الجنس أو الثقافة. دعونا نغوص في الحلم ليسري فينا ثقافةً بلا سخافة. وليكن الرقي فينا أسمى خلافة، دعونا نضع جانبًا الأعراف والأجناس والأطياف والأفكار والألوان والأديان ولا نرى سوى الإنسان، لأنَّه بدعةُ الله سبحانه، هكذا اقتضت حكمته بهذا الاختلاف، فاحترامًا لمشيئته تعالى وخضوعاً وخشوعًا لها والرضى والتسليم لإرادته لكي لا نخالفها ونقع في معصيته والكفر لإرادته سبحانه.
لذا وجب علينا إيجادُ بعضِ الحلولِ للحدِّ من العنف:
1- إقامة الجلسات والندوات الاجتماعية الّتي تقوّي الوعيَ والحوارَ بين الأفراد.
2- قضاء وقت الفراغ في المفيد والنافع من الأمور، مثل التوجيه إلى القراءة ومجالسة أهل العلم والصالحين من الناس والأصدقاءِ.
3- تعزيزُ الحوار بين أبنائنا وذويهم مما يؤدي إلى انتشار مشاعر الود والألفة.
4- العملُ على وضع برامج منهجية في المدارس للتوعية ومحاربة العنف بأنواعه، علمً ابأنَّ عُنوان التعليم في المدارس هو مؤسسة التربية والتعليم. التربية أولاً ثم ّ التعليم.
والله ولي التوفيق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *