الرئيسيةاخبار الاصلالسّموم الخفيّة والقيم الجليّة بقلم : نديم إبريق أبو سنان
اخبار الاصل

السّموم الخفيّة والقيم الجليّة بقلم : نديم إبريق أبو سنان

أنهى فريد قراءة الصّفحة الأخيرة من كتابه فوضعه جانبًا . إنّه الكتاب الرّابع الذي يُطالعه هذا الشّهر، فهو يعشقُ القراءة والمطالعة ، وتستهويه خاصّة تلك الكتب الّتي تحوي بين طياّتها قيمًا اجتماعيّةً وإنسانيّةً. لقد استولى على شُرفةِ منزله المُشرفة من الأعالي على قريته وحوّلها إلى مركز يتغذّى من خلاله بتلك القيم الّتي يستوحيها من بُطون الكتب…
غادر فريد الشّرفة مُشبعًا بالمفاهيم والمبادئ ودخل إلى صالون بيته ليتابع عبر التّلفاز آخر المستجدّات في هذا الكون المُتقلّب. جلس بجانب زوجته وكأنّه يجلس بجانب تمثال أو تحفة في البيت ، فلم ينبس ببنت شفة ولم يُحرّك ساكنًا ، وحتّى لم يرمقها بنظرة ولو بطرف عينه . فهذا هو حال فريد في البيت : إما أن ينتابه الصّمت الدّائم – القاتم ، وإمّا أن يفتعل مشكلة معها ومع الأولاد ، فهو يعشق الشّجار كعشقه للمطالعة. لقد قرأ الكثير من الكتب الّتي تتطرّق للحياة الأسريّة السّليمة ، إلى ضرورة معاملة الزّوجة بالرفق واللّين والإحسان ، إلى حيويّة فهم عالم الأبناء والأولاد ، خاصّة في سن المراهقة ، قرأ فتمعّنَ فتمتّعَ في مطالعته عن هذه القيم الأسريّة السّامية الجميلة ، ولكن ما يكاد يترك شرفته ووكره وكتابه ويعود إلى صالونه وعائلته حتّى يلبس كساء الوحش المفترس المُكشّر عن أنيابه ، وكأنّه يبغى افتراس عائلته الصّغيرة المسكينة…
قرأ وطالعَ الكثير عن الرّوابط الاجتماعية الّتي تُلزم توطيد العلاقات الاجتماعيّة مع الجيران والأقارب وتحتّم معاملة الوالدين معاملة حسنة والبّرّ بهما، خاصّة عندما يبلغان سنّ العجز. كان دائم التّباهي والتّفاخر بمطالعته الثاّبتة والدّائمة لهذه النّوعية من الكتب ، فيبحث عن كلّ جديد يرى الضّوء في هذا الإطار وفي هذا المجال ،ولكنّه كان يعيش عمليًّا في جوّ اجتماعيّ ” صحراويّ ” ، فلا علاقة تربطه مع أقاربه أو جيرانه ، لا يشاركهم فرحة الأعياد والأعراس ، وبالكاد تراهُ مُعزيًّا في كربهم وأتراحهم . وحتّى والديه العجوزين كان يزورهما مرة في الأسبوع ، فكان مثال الابن العاق ، غير مكترث بوصيّة الله سبحانه وتعالى :” ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمّهُ وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير ” (سورة لقمان / الآية 14).
يُغادر فريد يوميًّا بيته إلى العمل ، حاملاً في جُعبته ولسانه مبادئ ومُثلا ، مُخفيًا في قلبه الأحقاد والكراهية ، مُتظاهرًا أمام زملائه بتسامحه وبانفتاحه وسعة آفاقه ، مُركّزًا على أهمية التّعايش بين بني البشر ، خاصّة الّذين ينتمون لفئات سياسيّة ودينيّة مختلفة ، مُستندًا إلى الكتب السّماويّة ومستعينًا بها لتأكيد نظريّاته الإنسانيّة – التسامحيّة ، ولكنّه ما يلبث أن ينفُث سُموم الطّائفية البغيضة حين ينفرد بمجموعته الصّغيرة. يدّعي حبّه للنّاس أجمعين ، وبأنّه يتمنّى دائماً التّقدّم والنّجاح لزملائه في العمل ، ولكن ما أن يحالف أحدهم النّجاح حتى تبدأ نار الغيرة والحقد والكراهية تشتعل لتحرق قلبه بنيرانها. وعندما يتجاذب زملاؤهُ في العمل أطراف الحديث حول الرّوابط الأسريّة وأهمّيّة توطيدها ، تراهُ يُتقن فنّ الخطابة ويسترسل الشّرح حول أهمّيّة احترام الأب والأمّ والزّوجة وعن ضرورة التّقّرب للأولاد ، مُستعينًا في شرحه وخطابه بكُتّاب عُظماء قرأ لهم كتب مهمّة في هذا المجال ، ولكن ما أن تحطّ قدماه ثانية في صالون بيته حتى يبان وجهه الحقيقيّ ، مُزيلاً قناعهُ المزيّف ، لتبدأ بذلك معاناةُ الزّوجة والأولاد…
دخل فريد مرّة أخرى إلى شرفته ، وقف أمام مكتبته المليئة بالكتب القيّمة ، حار في اختيار الكتاب الّذي سيُرافقه في أمسيته هذه ، وسرعان ما لفت نظره عنوانُ كتاب جديد كان قد اقتناه قبل شهرين وكاد أن ينساهُ . كان عنوانُ الكتاب “السّموم الخفيّة والقيم الجليّة”… بدأ فريد بمطالعة مقدّمة الكتاب بتمعّن وشدّت انتباهه آية من القرآن الكريم ،استعان بها الكاتب لتوضيح فكرته :” يا أيّها الّذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون . كبُرَ مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون “(سورة الصف / الآيات 2-3)…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *