الرئيسيةاخبار الاصلالمؤتمر الوطني ضد جريمة التجنيد وعار التجنّد… عوض عبد الفتاح
اخبار الاصل

المؤتمر الوطني ضد جريمة التجنيد وعار التجنّد… عوض عبد الفتاح

ليس أكثر قذارة وساديّة من إقدام المستعمر على إجبار الشعب الواقع تحت الإستعمار، أو أفراد منه، أن يحارب نفسه. إسرائيل، كدولة كولونيالية اقتلاعية الهدف والنهج، أجبرت جزءاً من الفلسطينيين العرب (الطائفة العربية الدرزية) منذ عام 1954 على حمل السلاح ليقتلوا فلسطينيين آخرين أي ليقتلوا أنفسهم. إنه تنكيل مروع بالضحية إضافة إلى تجريدها من وطنها. وليس أكثر انحطاطاً من أن يقوم فلسطيني بحمل السلاح تطوعاً ليرتكب الجريمة والخيانة ذاتها، سواء عبر حمل السلاح، أو عبر الخيانة والتعاون مع المستعمر.
لم تمر هذه المخططات الإستعمارية بدون مقاومة وطنية منذ اليوم الأول. ولكن إحياء السياسات التدميرية القديمة واستحداث آليات وأساليب جديدة واستثمار أموال هائلة لتوسيعها بين صفوف الفلسطينيين في إسرائيل، في السنوات الأخيرة، عاد ليصب الزيت على النار ويطلق موجات من الغضب والاعتراض والاحتجاج والحراك في وجه هذه السياسات البغيضة.
إحياء الفكرة
منذ سنوات تتداول الهيئات التمثيلية العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر بفكرة مؤتمر وطني ضد مخطات التجنيد والتجند في صفوف الجيش الصهيوني وضد الخدمة الوطنية الإسرائيلية. قبل خمس سنوات قامت لجنة وطنية ضمت كافة ألوان الطيف السياسي والاجتماعي وعقدت عدة لقاءات في قرية بيت جن الجليلية، المنكوبة بمحنة التجنيد الإجباري وكنت عضواً فيها. كما وضمت شخصيات تمثيلية اجتماعية وحزبية؛ مثل الشيخ علي معدي- رئيس لجنة التواصل، الشيخ رائد صلاح-رئيس الحركة الإسلامية، الأب عطاالله حنا، محمد نفاع- سكرتير الحزب الشيوعي، ومنصور عباس عن الحركة الإسلامية الجنوبية وأخرين. وترأسها الأخ إحسان مراد- الناشط الوطني ابن بيت جن. ولأسباب تتعلق بواقع لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية وضعف إمكانياتها اندثرت كليًا. لكن لا بدّ من التنويه أن فشل هذه اللجنة لم يكن فشلاً مطلقاً. فعلى مدار السنوات القليلة، ساهمت في إحياء فكرة التصدي الجماعي للتجنيد، بعد أن كانت قد تراجعت في العقود الثلاثة الأخيرة. فالمعارضة الوطنية للتجنيد كانت قد انطلقت في صفوف الشباب العربي الوطني من الطائفة المعروفية منذ أواخر الخمسينات وصولاً إلى أواخر السبعينيات. وبعدها اقتصر النشاط المناهض على التجنيد على المبادرات الفردية الشجاعة، واتخذ ايضًا أشكالاً أخرى مثل التديّن كوسيلة لتفادي المواجهة المباشرة مع المؤسسة الصهيونية. وقد يكون الشيخ علي معدي، رئيس لجنة التواصل المعروفية، مثالاً في اعتماد التدين وتعميم المواقف الوطنية بين المؤدين للعبادة في الخلوة (وهي الخلوة الوحيدة في فلسطين).
وكان لنشطاء الحزب الشيوعي مساهمة في هذا المضمار وإن ظلّ تأثير هذه المساهمة محدوداً. وكان ذلك في إطار لجنة المبادرة الدرزية. ويأخذ المنتقدون على هذا الحزب أنه حولها الى هيئة فئوية فتقوقعت على نفسها وأصبحت ذات لون واحد فجمدت. كما أن التجمع جدد المبادرة بعد انطلاقه بسنوات قليلة، وابتكر ثغرة هامة للنفاذ منها للوصول الى الفئات التقليدية في الطائفة المعروفية، أي الزيارات الإنسانية وذات الطابع القومي للأقارب؛ أي اللاجئون الفلسطينيين في سوريا، المشروع الذي بادر إليه في حينه د.عزمي بشارة. والحقيقة أن من الدوافع الأساسية، بل ومن الأهداف الأساسية لإطلاق مشروع التجمع هو فرملة الاندفاع نحو الأسرلة خاصة في أوساط الشباب الفلسطيني من كل الطوائف، والتصدي لإمكانية انتشار ظاهرة التجنّد في جيش الاحتلال بعد اتفاقية أوسلو.
جميع هذه المحاولات والمبادرات، سواء المنطلقة من رحم التجربة المعروفية، او مساهمات الحزب الشيوعي، أو مبادرات التجمع، واللجنة الوطنية المذكورة، منحت عملية مقاومة التجنيد بعض الدفع أو الوقود للحملة المناهضة للتجنيد والخدمة المدنية، غير انها لم تتحول إلى هيئة ثابتة وممأسسة وكمشروع وطني ثقافي مقاوم للتجنيد والتجند وكحامٍ للهوية الوطنية الجامعة لأبناء وبنات الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر. وقد جرت جهود لتحويلها لذراع للجنة المتابعة، غير أن الأخيرة عاجزة أصلاً عن مأسسة نفسها.
وأخيرًا، الآن، نحن أمام مبادرة جديدة أو متجددة. وهي تنطلق من إرث المقاومة والرفض لجريمة التجنيد، ولعار التجنّد، هذا الإرث الذي تراكم على مدار عقود من عمر النكبة على يد نشطاء حزبيين ومناضلين دخلوا، ويدخلون السجون، ولا زال التحدي ماثلًا. إذ أن المؤسسة الصهيونية تواصل عدوانها على وجودنا، ثقافتنا، هويتنا، على مستقبل ابنائنا وبناتنا. ولا تبدي تراجعًا، رغم المعارضة المتصاعدة والوعي الآخذ في التفتح. بل تقوم باتباع جريمتها الأولى، جريمة فرض التجنيد على جزء عزيز من شعبنا، وهم الطائفة المعروفية، بجريمة أخرى مشابهة تستهدف جزء عزيز آخر هم العرب المسيحيون الذين يعانون من السياسة الاستعمارية ذاتها الممارسة ضد الشعب الفلسطيني برمته.
نجاح المؤتمر الوطني يتوقف على ما بعده
نهاية الأسبوع القادم، السادس من حزيران، يلتئم ممثلو الجماهير العربية الفلسطينية كبارهم وشبابهم، رجالهم ونساؤهم، في مؤتمر وطني عام ضد مخطط التجنيد الاستعماري وضد عار التجند، في مدينة سخنين الجليلية، هو المؤتمر الأول من نوعه الذي جاء تتويجًا لجهود تجددت في الأشهر الأخيرة بعد أن كشفت المؤسسة الصهيونية عن نيتها السافرة في المضيّ قدمًا في مخططها الاستعماري المتمثل في تفكيك أحد أكثر التجمعات الفلسطينية حيوية، هذا التجمع (مليون وربع) الذي عاد ليقض مضجع صناع السياسة في إسرائيل نظرًا لما يشكله هذا الجزء من شعب فلسطين من تهديد مباشر للمنظومة الأيدلوجية أو الأخلاقية للنظام الصهيوني.
إن عقد هذا المؤتمر هو خطوة هامة، وتشكل إحياءً واستئنافًا لمسيرات النضال ضد التجنيد، وإحياءً للنفس النضالي على طريق إعادة لملمة هذا الجزء من شعبنا الذي يتعرض للضربات المتلاحقة سواء عبر السياسات الصهيونية المباشرة أو عبر الأدوات العربية العميلة.
إن التحضير والحشد لهذا المؤتمر الذي يجدد العمل من أجل إنجاحه في الأشهر الأخيرة، حفّز ويُحفز الكثيرين من أبناء شعبنا للانخراط مجددًا في مسيرة نضالية يشعر الكثيرون أنها لا يجوز أن تتوقف. ويكفي أن نرى جموع الشباب الفلسطيني، من كل وطوائف شعبنا، في حراك متجدد ميداني وفكري لافت. نلمس جرأتهم ونرى إبداعاتهم في الاعتراض على مخطط التلاعب بمصيرهم. نراهم كيف يتصدون للصهاينة، وكيف يفضحون العملاء وكذلك القيادات التقليدية المروضة التي لا تزال مصابة بإفرازات سياسات الحكم العسكري الإرهابية، وسياسات الاحتواء. ولا أشك أننا على موعد مع تبلور قوى شبابية ناضجة، تتهيأ لأخذ زمام الأمور في السنوات القليلة القادمة، ولتوجيه الضربات التوعية لمشاريع التجنيد والتهويد والسطو، وما علينا إلا إدراك هذا الاحتمال الواعد والعمل على توفير مستلزمات تحققه وتبلوره ضمن استراتيجية بنائية واضحة تقوم على مجمل الإنجازات التي تحققت على أيدي الأجيال السابقة والراهنة.
بقي أن نُسجل أنه ليس التحدي الأكبر هو إنجاح المؤتمر، إنما كيف ننطلق من هذا المؤتمر الوطني الهام نحو خيارات بنائية وكفاحية حقيقية تقوم على تنظيم هيئاتنا القيادية والوطنية التمثيلية والمهنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *