الرئيسيةاخبار الاصلوعلمتني أُمي، بقلم: شهربان معدي – يركا
اخبار الاصل

وعلمتني أُمي، بقلم: شهربان معدي – يركا

“كانت الطفلة الصغيرة، تجوب شوارع المدينة، والدموع تسيل على خديها، باحثة عن أمها الغالية، تجمّع الناس حولها وأخذوا يسألونها عمن تبحثين؟ ولمَا تبكين؟
فأجابت أبكي على أمي وأبحث عنها…
فقال الناسُ: أيتها البنت العزيزة! أين ذهبت أمك؟ وما هي أوصافها؟ وكيف يمكن أن نتعرف عليها؟
رفعت الصغيرة رأسها وأجابت: أحقا لا تعرفون أمي؟ إنها أحسن أمِّ بين جميع الأمهات”. (تولستوي)

وأمي ليست أحسن أُم بين كل الأُمهات، لأن كل الأمهات فاضلات…
وأمي ليست أجمل أم بين كل الأمهات، لأن كل الأمهات، جميلات…
وأمي ليست أكرم أم بين كل الأُمهات، لأن كل الأمهات كريمات…
ولكن أُمي، علمتني ما لم تعلّمه لأولادهن، سائر الأُمهات…

أمي علمتني، حُسْن الإصغاء، وان الكلام ما قل ودل، ودائما تقول لي: كل كلمة بذهبة، وأن الحجر محلّهُ قنطار، فاتخذت نصيحتها زادا مدى الحياة…

وأمي علمتني أن التسامح أكبر مراتب القوة، ومفتاح القلوب بحُسن المعاملة، ودائما تقول لي: المسامح كريم، وكبّرها بتكبر وصغّرها بتصغر، والوعاء الكبير يتسع للوعاء الصغير…

وأمي علمتني التمسك بالقيم والمثُل العُليا، ودائما تقول لي: اللي بيشلح ثيابو بيعرى، وأعمل منيح ودب بالبحر، والإنسان يُنذكر بأعماله، والسيئات تمحوها الحسنات…

وأُمي علمتني محبة الناس وقبول الآخر، ودائما تقول لي: اللي ما بيهمل همْ الناس ما بيكون من الناس، والعشرة تورث الحب، وابن البلد زي الولد…وما احلى خفة المروة، التي تتوجها النوايا الطيبات…

وأمي علمتني، أنه من طين بلادك حط عُ خدادك، وان اجتماع السواعد يبني الأوطان، وان أحب أرضي ولا أفرط بها! ودائما تقول لي: لا يحرث الأرض إلا عجولها، وخبزي وزيتي عمارة بيتي…

وأمي علمتني أن احترم الكبير وأرفق بأهل زوجي، ودائما تقول لي: العين لا ترتفع عن الحاجب، وأهلك اللي اشتروكي مش اللي باعوكي…

وفي تفريغ هموم الحياة والصبر والمؤآزرة، علمتني أمي: إن مال الحِمِل على واحد يقتلهُ، ولا تحملي السلم بالعرض يا بنتي، وان كثرت اعمالكِ فرقيها على أيامكِ، ومن ساعة لساعة فرج…

وأمي علمتني، انه الزلمة يجني والمرأة تبّني، وأن الامرأة تصنع الرجال، وإن كِبر ابنِك خاويه…

وأنا اجتهد كثيرا أن اكون كما علمتني امي، التي لم تسمع عن اريكسون، ولا بياجيه، ولم تفك عقدة أوديب! أو تطبّق نظريات فرويد! ولكنها لم تستعمل معي ومع اخوتي، آليات العقاب، ولا تقنيات الحرمان، وكانت نظرة واحدة منها كفيلة بأن تختصر آلاف الكلمات…

وأمي لم تقرأ مسرحيات شكسبير، ولا حتى أشعار احمد شوقي! ولم تسمع عن مغامرات روبنسون كروزو! ولكنها حدثتنا في ليالي الشتاء الطويلة، عن فروسية ابو زيد الهلاليّ، ومناقب الأعيان الثقات…

وهي أمي لم تتصبح بفيروز ولم تسهر مع شوبان وموزارت، ولكنها عندما كانت تهدهد لنا، كان يهدهد معها الحجر والشجر، ويتدفق حنانها، أنوارا عفيفة، تضيء السموات…

نعم هي أمي، تلك المرأة العظيمة التي لم تسمع بهرم “ماسلو”، ولكنها منحتني كل شيء. وعلمتّني أنه عندما يتعلق الأمر بالكرامة الإنسانية، فلا يمكن تقديم التنازلات…

نعم هي أمي، جنة الله المرسومة بقطر الندى… وليلة القدر المشرِعة أبوابها لأصدق الصلوات…

نعم هي أمي، التي علمتني “أن الجنة تحت أقدام الأمهات”…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *