الرئيسيةاخبار الاصلبيت جن الزابود 1987 ملحمة جماعيّة … الفصل الثاني – مواجهة الغدير
اخبار الاصل

بيت جن الزابود 1987 ملحمة جماعيّة … الفصل الثاني – مواجهة الغدير

بيت جن الزابود 1987 ملحمة جماعيّة .. الفصل الثاني – مواجهة الغدير.


لم يقف الأهالي مكتوفي الأيدي أمام الممارسات تلك (التي وصفت سابقا) فدائما هبّوا ضدها وفي القلة من هباتهم قطفوا ثمار النجاح، على سبيل المثال: سنة 1973 تمّت إعادة بناء بيت المواطن سلمان غانم، الذي هدمته السلطات، خلال 24 ساعة بعد الهدم. أما بقية الهبات فقد احتُويت لأسباب موضوعية كثيرة لا مجال للولوج فيها، ولكن أحد أهم الأسباب هو غياب الوحدة عن الساحة الداخلية نتيجة للنزاعات العائلية والحاراتيّة التي غذّتها السلطات بكل الوسائل، فلم تختلف بيت جن في هذا عن أية قرية عربية في البلاد.   

 

طوال هذه العقود التي سبقت لعب هذا النزاع دوره على الساحة، وإن كان في سنوات الحكم العسكري على امتيازات “المخترة”، تحول إلى امتيازات قيادة القرية من على كرسيّ المجلس المحلّي. إن النقلة النوعيّة من المخترة إلى السلطة المحليّة لم تغيّر الكثير في البداية، فالقوى التقليديّة هي التي انتخبت لرئاسة وعضوية المجلس.

 

لم يغب طوال كلّ هذه السنين عن الساحة الطرح الوطني التقدمي المعارض ولكن قلّما وجد طرحه الآذان الصاغية فظلّ محدود التأثير، لأسباب موضوعيّة وذاتية أحيانا، ولكن بسبب محاصرته على يد السلطة وملاحقة أصحابه وبالتعاون مع أزلامها من  القوى الظلاميّة الداخلية من الجهة الأخرى. 

 

في بيت جن تمحور “الصراع” بين عائلتي قبلان وأسعد ولكل عائلة لفيفها، تبادلتا رئاسة المجلس المحلّي منذ تأسيسه عام 1964 وحتى العام 1989. في انتخابات الدورة قبل الحالية (النص جاء هكذا لأني كما أسلفت هذه المادة حاضرة منذ أوائل التسعينات)، أي انتخابات 1983، كان الجديد طرح مرشحين من قبل العائلتين من نوعية جديدة:

 

السيّد شفيق أسعد عضو كنيست سابق حكته الحياة السياسيّة، ترشح مؤمنا أن يكون الرئيس المرجو لإنقاذ بيت جن من حالتها المزرية كما جاء على لسانه هو في الكثير من المناسبات خطابة وكتابة. (1)

 

المربّي جمال قبلان، معلم مدرسة ناجح لم يسبق له أن عارك السياسة بمعنى الكلمة امتُشق في اللحظة الأخيرة ليخلف المرشّح الرئيس الأسبق الشيخ أبو وافد رجا قبلان. وممّا جاء في بيان قائمته الانتخابيّة: “المشاريع كثيرة ولكن على رئيس المجلس أن لا ينسى أبدا أنه لا يستطيع أن يقوم بأي مشروع إلا بمساعدة ومؤاورة أعضاء المجلس خاصّة وسكان القرية عامة” (2)

 

حاولت في هذه الانتخابات مجموعة من العائلات الصغيرة طرح البديل للترشيحات العائلية التقليديّة فرشحّت السيد حسين حلبي للرئاسة والعضوية.

 

كان الفوز للسيّد شفيق أسعد بفارق قرابة ال-100 صوت وبدأ ممارسة أعماله في شهر 1.2.1983، وكما يقول هو بظروف مترديّة لأبعد الحدود (3)، أما السيّد الحلبي فحصل على أصوات قليلة للرئاسة ولم يستطع تخطي نسبة الحسم للعضوية كذلك، ويعود السبب لعدم نضوج الظروف الموضوعية وعدم استطاعته إقناع المنتخِبين أنه البديل.

 

أما العضوية فقد فاز فيها السادة: جمال قبلان وقاسم نفاع وفريد دبور ورفيق حمزة (صلالحة) وعلي طافش وعبدالله حرب وجمال صالح وسعيد زيدان وكنج نجم.

 

الجدير بالذكر أن الجبهة غير العائليّة تمثّلت لأول مرّة بالعضو قاسم نفاع، ولكن من خلال الترشّح بقائمة عائليّة، قائمة السيّد جمال قبلان كمرشح ثان. ليس قبل أن أثار الترشيح نقاشا حادّا داخل الجبهة واعتراض البعض ولكن الأمر لم يغيّر الطروحات. (4)   

 

إن الصراع العائلي وحمل لواء المصلحة العامة الذي يدعيه كل لنفسه انعكس في تشكيل هيئات المجلس المحلي، فلم يكن تشكيله بالأمر الهيّن، وتشكل ائتلاف من الرئيس شفيق أسعد والأعضاء جمال صالح وسعيد زيدان وكنج نجم وعبدالله حرب، وهذا الأخير انتخب لاحقا نائبا لرئيس المجلس، أما العضو علي طافش الذي كان حسب الاصطفاف الأولي مع المعارضة التحق بالائتلاف ضد رغبة غالبية ناخبيه.

 

مارس الفريقان مهامهم على قدر من المسؤولية لم يخل الأمر في الكثير من الأحيان من رسوبات عائلية أخضعت لها الكثير من الخطوات، هذا على مستوى الجبهة الداخليّة. أما “الجبهة” الخارجية فلم يغمض لها جفن عن مراقبة التطورات في بيت جن، ولم تقصر لها يد عن تنفيذ ممارساتها التي بلغت أوجا وصلفا فيهما مهانة واستهتار لا حدود لهما، أساس هذه الممارسات لطش ما تبقى من أرض مُسخّرة لذلك كل وسائل الضغط، أهمها:

 

وسيلة الضغط الأولى: حصر القرية داخل خارطة هيكلية قديمة عجزت عن احتواء التفجّر السكاني، مما اضطر العشرات للبناء غير المرخص دافعين مبالغ طائلة غرامات في المحاكم مهددين بهدم دورهم، ومن ثم السجن الفعلي للعديد وأولهم في شهر 12/85:

 

السيد سعيد مهنا نجم جندي مسرّح مشوّه أب لعائلة كثيرة الاولاد قسم منهم في سلك الجندية.  فقد حُكم عليه بـ 100 ألف شيكل وبالسجن الفعلي لمدة شهرين. كان للأمر وقع الصاعقة على المواطنين، إذ لم يسبق أن حوكم أحد بالسجن الفعليّ على بناء غير مرخّص، وقد ارسل السيد نجم رسالة الى المجلس المحلي حول الموضوع طالبا البحث فيها، ومما جاء فيها:

 

“سيداتي أتوجه إليكم كل باسمه، باسمي وباسم الشباب وأهالي بيت جن لعقد جلسة طارئة لاستنكار ما جرى معي. (5)

 

وقد أثار عضو المجلس قاسم نفاع قضيته في المجلس المحلي وللأسف لم تلق الرد  المناسب. حول هذا الموضوع جاء: “المبحث الخامس: قضية المواطن سعيد نجم – العضو قاسم نفاع، إنها للمرة الاولى يحدث امر كهذا في بيت جن وعليه يقترح طبع منشور وتوزيعه كذلك ارسال رسائل احتجاج وذلك خوفا من التكرار لأن كثيرا من المواطنين بنوا بدون رخص بناء كذلك اقترح الدعوة لاجتماع عام في القرية. العضو جمال صالح: الكل من ناحية عاطفية مع سعيد لكن لا يمكن التدخل في قرار محكمة الا يجب بحث الامر ان لا يكون الادعاء مطالبا بشدة طلب الحكم، كذلك توجه العضو قاسم نفاع بحث اثارة الموضوع في جلسة رؤساء المجالس المحلية الدرزية.

 

أفاد الرئيس ان القانون يسمح بالسجن او الجزاء المادي ونحن كمؤسسة رسمية لا يمكننا استنكار قرار محكمة وان المشكلة ليست في المحاكم، ومشكلة البناء أثيرت من قبل رؤساء المجالس على مستوى لجان كنيست وفي المكاتب الحكومية ومن هنا المشكلة ليست في المحاكم ولكن تأخير المؤسسات الحكومية بتوسيع مناطق البناء والخرائط الهيكلية، عليه  اقترح ارسال رسائل الى كل من وزير الداخلية وحاكم اللواء ولجان التنظيم اللوائية والمحلية لحل مشكلة البناء الغير مرخص لأن مخالفة القانون من قبل القانون ليست ذنب المواطن انما ذنب الدوائر المختصة، كذلك ارسال نسخ الى مكاتب وزارية اخرى.” (6)

 

ومن ثم توالت الاحكام بالغرامات الباهظة وبالسجن الفعلي على:

 

الشيخ نور الدين قزامل، رجل متدين فقد اخوين في سلك الامن، واولاده جنود وجنود مسرحون.

 

السيد صالح ابو عسلة.

 

السيد يوسف اسماعيل حمود، جندي مسرح.

 

السيد صالح يوسف حمود، متقاعد شرطة، مشوّه.

 

السيد وافي صلاح صلالحة، جندي مسرح.

 

السيد راضي حرب، شرطي والذي كاد يفقد كذلك عمله لولا أن خرج لعطلة غير مدفوعة الأجر قضاها في السجن.

 

أصدرت على اثر هذه الاحكام لجنة الجنود المسرحين، والتي كان يرأسها نجيب طافش، بيانا جاء فيه: “ان لجنة الجنود المسرحين تستنكر هذه السياسة، تتوجه للأخوة المواطنين ان يرفعوا صوت الاحتجاج بكل الوسائل  المتاحة، مطالبين المسؤولين ان يكفوا عن هذه  السياسة التمييزية والانتقامية.”

 

الوسيلة الثانية: عدم الموافقة على بناء المرافق العامة وأهمها المدارس، حتى غدا الوضع التدريسي للطلاب لا يطاق، واستعملت لإيوائهم غرف مستأجرة اصلها مخازن وزرائب حيوانات في بعض الحالات.

 

الوسيلة الثالثة: تشديد التضييق والمضايقات على استعمال الارض، وهنا لعبت سلطة حماية الطبيعة برجالاتها دور رأس الحربة القذر المسموم. فمنعت استصلاح الارض وزراعتها، منعت قطع الحطب ولاحقت قاطعيه حتى حرمات البيوت وقامت بحرقِه بعجرفة لم يسبق لها مثيل.

 

في هذا المجال كان امر الصدام المباشر مسألة وقت لا غير، وبالفعل يوم 8/3/84 اقفل موظف سلطة حماية  الطبيعة بصلف المتسلط طريقا زراعيا في منطقة “الغدير” فكانت النتيجة الصدام المباشر، وذلك الموظف نُقل على المستشفى وعُلم بعدها انه استقال من وظيفته، وامتلأت المنطقة بقوات الشرطة وموظفي المحمية بالمئات وهبّت القرية عن بكرة ابيها واصطدمت مع القوات، تضرر العديد من سيارات السلطة والشرطة وجُرح العديد من رجالاتهما وامرأة وطفل من السكان. أُعتقل على أثرها عدد من المواطنين وحُقق مع غيرهم سيجيء ذكرهم لاحقا.

 

عقد المجلس المحلي في نفس الليلة جلسة طارئة مفتوحة حضرها العشرات من السكان شارك فيها قادة مراكز الشرطة في المنطقة، ادارها السيد عبدالله حرب نائب الرئيس بسبب غياب الرئيس في المستشفى ، واتخذت قرارات جماعية كانت النذير الحاد للسلطة. وكان أول المتكلمين الشيخ رجا قبلان رئيس المجلس السابق شاجبا ما قامت به دائرة حماية الطبيعة بتسكيرها الطريق القائم. تلاه نائب الرئيس واصفا عمل الدائرة بعمل العصابات ومفيدا أن الدائرة استعملت السلاح والغاز المسيل للدموع والهراوات وتمّ التعدي على النساء وكسرت يد شابة وجرح ولد آخر. (7) وأعقبتها جلسة اخرى غداة ذلك اليوم 9/3/84 اكدت على القرارات. (8)

 

رغم المطالبة بعدم ملاحقة أحد من السكان كما جاء في الجلسة أعلاه، إلا أن الشرطة قُدمت للمحاكمة على خلفية هذه المواجهة كمتّهمين بالاعتداء الجسدي والتسبب بأضرار السادة:

 

امين سلمان قبلان، يوسف طافش وبهجت خير بملف جنائي رقم 7966/86 في محكمة الصلح في عكا تبنى قضيتهم لاحقا المجلس المحلي ورافع عنهم الكاتب، فأدين السيد يوسف طافش وتم تبرئة ساحة امين قبلان وبهجت خير. (9)

 

الوسيلة الرابعة: الوقوف في وجه كل مشاريع التطوير بحجة المسّ بالمحمية الطبيعية، كمشروع المجاري وتوسيع شارع القرية الخطِر وتوسيع  الخارطة الهيكلية.

 

وهنا كان الدور القذر للسلطة، فالسلطات المختصة بأذرعها لعبت دور ال”ما في اليد حيلة” فهي موافقة ولكن بدون موافقة سلطة حماية الطبيعة لا يستطيعون التنفيذ!!! وكأنه بقدرة قادر صارت سلطة حماية الطبيعة القادرة بلا حدود حتى وزراء اسرائيل يخضعون لرغبتها.(10).

 

يبدو ان الدرس في منطقة “الغدير” لم يكن كافيا لسلطة حماية الطبيعة وللسلطة من ورائها وحسبت ان الامر لن يتعدى زوبعة في فنجان، فتطاولت ووصل الامر ان قدمت العديد من المواطنين للمحكمة بحجة البناء في مناطق المحمية وكأنه لا تكفيها المحاكم المفتوحة من قبل دوائر التنظيم والغرامات والهدم والسجن. جاءت سلطة حماية الطبيعة لتفتح ملفات جديدة تريد بها اوامر هدم من نوع آخر:

 

“هدم يتبعه تنظيف المكان من البقايا كما جاء على لسان محاميها اثناء جلسات المحكمة”.

 

فركزت هجومها على منطقة “القُبع” التي أقام عليها اصحابها ثمانية دور سكن وان كانت الدور على اراضي خاصة مملوكة،  فادّعت انها تمسّ بالمحمية الطبيعية بمنظرها وحيواناتها من سحال وقراقيع وحراذين!!! وبدأت الاجراءات ضدهم يوم 25/3/85 في ملف رقم 358/85 في محكمة الصلح في صفد، ووكل الكاتب للدفاع عنهم.

 

هذا التمادي ان عبّر عن شيء فيعبر عن عقلية عنصرية مريضة ومتابعة الاستهتار بالمواطنين، لأن اي سلطة في اي دولة متنورة لا يمكن  ان يبلغ تماديها هذا المبلغ.

 

 

 —————————————-

هوامش…

 

1. منشور قضيّة ومواقف إصدار السيّد شفيق أسعد 23.01.1990    

 

2. برنامجه الانتخابي عشيّة الانتخابات.

 

3. المصدر (1) أعلاه.

 

4. قاسم نفاع، بيان من أوائل شباط 1984.

 

5. رسالة من السيّد سعيد نجم للرئيس ولأعضاء المجلس بتاريخ 1985.12.22

 

6. محضر رقم 1/86 من يوم 30/1/86.

 

7. محضر جلسة طارئة رقم 3/84 بتاريخ 8/3/84.

 

8. محضر جلسة طارئة رقم 8.44 بتاريخ 84.3.9

 

9. سهيل قبلان، علينا بالوحدة لمواجهة مخطط سلطة حماية الطبيعة. الاتحاد اوائل اذار 1983.

 

10. انظر اقوال رئيس المجلس في جلسة رقم 1/86 من يوم 30/1/86.

 

….. يتبع        

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.