الرئيسيةاخبار الاصلكل شيء بعدك تغيّر … بقلم: شهربان معدي – يركا
اخبار الاصل

كل شيء بعدك تغيّر … بقلم: شهربان معدي – يركا

بالأمس عندما زرتني، وعدت اليّ مع العصافير التي عادت بعد رحيل الشتاء، قدّمت لي بيمينك حبة برتقال، وبيسراك قصفة قندول، أدمت راحتيك التي قلّبت كل البراري، بالأمس، عندما دَرَجّتَ في مساحة حلمي، كطفل صغير، وبحثت عني في كُل الأماكن ، كنت انتظرك هُناك على مقعدك الخشبي العتيق، وكانت ثمة أُمنية قد تحقّقَت، أُمنية عجزت أن أصوغها؟ كيف عدت اليّ بعد كل هذه السنين؟
وكنت سعيدةً بحضورك الذي عطّر جدران بيتي، برائحة الطيّون والزعتر… لطالما عَاتبّتُ أنامل الدهر التي فرّقت شملنا، ولكنك عُدت يا والدي، وكانت نظراتك الحنونة، تتساقط علي بيداء روحي كقطرات المطر…
وفي مساحة الحلم، تحدثنا طويلاً، واسترجعت ذاكرتنا الكثير من الذكريات الجميلة، المنقوعة بالعسل، والمرشوشة بالسُكّر… ذكريات أعادتني طفلتك المُدللة التي لم تكبر، والتي كانت تُجافلك كل يومٍ ، لتخبئ لكَ جريدتك الصباحية، وكنت كل مرةٍ تسامحني، تمسد ضفيرتي الطويلة، وتربّت على ظهري، وتحمل محفظتي ، لتوصلني حتى عتبة المدرسة…
بالأمس ، عندما زرتني ،تحدثنا طويلا، وسألتني عن تخوم الزيتون، وكرمة العنب، وترابنا الاسمر…وذكّرتني بالسنونية الصغيرة التي كانت تعشش في سقف شرفتنا الغربية، وامتعضت، حين اخبرتك انها رحلت، وعُشّها تحجّر…
وكنت تصغي لي بروحك وقلبك، وعينيك اللتان كنت ارتشف منهما الحنان الأبوي الشّفيف، وحلاوة الصّبر…
وبكيت كثيرا يا والدي عندما اخبرتك ، انك ما زلت بالبال ، رغم انه كل شيء بعد رحيلك تغيّر…
الوان المروج تبدّلت، والسماء والجّبال، وصوت صياح الّديك، وغابات الصّنوبر…
كانت قلوبنا كبيرة تتسع كُل هذه الأشياء…وتعشق الغيمة الكريمة، واللوزة المُزهرة، وتستعذب مياه البحر…
ولكن ثمة يد خفية، جعّدت قُرص الشّمس، وعبثت بوجه القمر، وحولتنا لدُمىً آدمية، تتحكّم بمشاعرنا رقائق الكترونية، نتبادلها بالصّور…
وقلت لك يا والدي، انه بهرجة هذه الحياة ورفاهيتها وجمالها الآسر، سلبت الإنسان عقيق روحه، وفتنته بالمظهر!
واخّبرتك ان الناس اصبحوا غُرباء، رغم انهم متجاورين، واحدهم بالكاد يرى الآخر، يعيشون بصناديقٍ مقفلةٍ، يعجز عن اختراقها سبارتكوس العظيم، وجيش اسكندر…
فاطرقت رأسك قليلا يا والدي، وهدّأت من روعي، واعدتني للزمن الجميل، حيث صفاء العيش وطيب المعشر، حيث كانت القهوة المهيّلة، تدور بدار الفرح! وحيث اللقمة الهنيّة، المغموسة بالرضى والتسليم، وبما قسَمَت يد القدر…
وحدثّتني عن عزة نفس، كانت تشعركم بالاكتفاء، رغم الحاجة، والاتكال على الباري، دون البشر…
وطمأنتني بأن خزائن رحمة الله لا تنفذ ، رغم قسوة الزمان، وتقلّبات الدهر…
وترقرقت من مقلتي دمعة عصية، عندما تذكرّت ايامنا الحاليّة الحُبلى بالمآسي، والأحداث الرهيبة، التي تناولتها، يد الغدر…والتي افقدت الإنسان هيبته، وأمنه وأمانه، بأسرع من طرفة عين ولمح البصر…
وفي مساحة الحلم، سألتني بشوق يعقوبٍ، عن اخوتي وهل هم بخير؟ فطمأنتك عن حالنا، وحدّثتك عن اولادنا الذين لم ترهم، وانهم اصبحوا، شبّانا أشداء، بجمال القمر…

وكم حزنت يا والدي عندما استيقظت من حلمي الجميل، قبل ان أُطمئنك بانني ما زلت ابنتك البّارة، رغم هذا الزمن الأغبر! ورغم ان كل شيء بعد رحيلك، تغيّر! ولكن بيّدر الخير الذي في قلبنا زَرَعّتَ، ما زال أثبت من الوشم، وما زال كما أردته، أخّضر، أخّضر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.