الرئيسيةاخبار الاصلامرأة المجتمع، بقلم: جمانة فيصل اسعد، الثاني عشر ( ب ) – بيت جن
اخبار الاصل

امرأة المجتمع، بقلم: جمانة فيصل اسعد، الثاني عشر ( ب ) – بيت جن

سمرتها كانت المعزوفة الوحيدة التي اطربت تلك الليلة ، سُمرةً حادةَ ، سُمرةً تتفاتن هاربةَ غلى أوتار مفتاح الصول من نغمات صاخبة هاجرت نوتات الحياة الكئيبة تلك ، الحياة المرعبة ، حياة هاجت بقلبها مشتبكة بشرايينها حارقة دمائها بعصبية ، خالية من أي ذرةِ قد تتحلى بشعور الشفقة وحاجة الانسانية .
لقد كان جسدها كالليل ، صامت ، باهت ، حالك بالظلام ، كان كالليل تمامًا ببرودته وعجزه ، فكانت قد بحثت في ليلات الارق هذه عن مصدر أمل صغير ، ولن تجده ، بحثت ثانيةً وفشلت مستسلمةً لليلها ، تمامًا كما بحثت عن نقطةٍ اشعّت بالحياة داخل شذرات قلبها متفحصةً إياها ، محاربةً ، بحثت بجهدٍ وثقة ولكن كلما وجدته هو بعض الكلمات الجارحة ، والذكريات اللئيمة . لقد وجدت ليالٍ خلت من الأمل ، ليالٍ اتخذت الدفء حبيسًا . وجدت غصةً مكتومةً طالما ارادت الخروج .

وفي تلك الليلة المعلقة في أدراج عقلها ، لم تشع إلا عيناها الشُهل الغارقتين بندى دموعها ، ولم تشع إلا عبرها التي لم تحتمل الصمود منبثقتًا كالبراكين خارجة كالسيل ، عبرًا رسمت خطوطها على وجنتين اوشتهما حمرة البرد ، ثم سواد الليل . كلما نظرت الى السماء مستنجدة ، استنجدتها السماء ، وانعكس القمر في ندى عيونها الخريفيتين متعمقًا في سماء روحها ، متخذًا مكانه في قلبها ، وكأن مبغاه هو إحياء ذاتها ، إحياء جوهرها وإرجاع ملكًا لها سرقته الحياة ، جاعلاً نفسه أنيسًا يسهر ليروي لها قصصًا انطوت بذكراها . فهو كعيونها الثمينة تلك تمامًا ، أشعّ وحيدًا في ليلٍ مختبئٍ بفراغ ذاته خاشيًا استقبال يوم جديد .
لم تستطع النوم ! همسات القمر ، جسدها البارد ، حُلكتها وليلها الحائر الذي دبّ كأرقٍ معذب وكَرِهَ الرحيل بددوا شهيتها تلك للنوم . فذرفت دموعها بسخاء لتضم كل ما في الوجود من شراره وحرقه الى صدرها ، بكت حتى خفتت النجوم ، حتى انطفئ ذلك الملقب بليلها ليصبح ليلاً سواده اعظم ، بكت حتى عجزت المقاومة وارتمت في سرير كتم صوته عن المجتمع ومجراه الطائش ، مخبئًا أعباء أسرارها في أعماق أعماقه كأنه يتمرمغ في كحلتها الحادة ،
هكذا هي ، تثور لكي تبكي وتبكي لكي تثور . لمن ستشكي ومن ستضم ، من أين ستستجمع قواها لنهار نظير منتظر ، هل ستجد الأمل يومًا ما ؟ هل سينار قلبها بأضواء الافتخار ؟ ام هل ستسترجع ممتلكاتها ، حقوقها المسروقة ؟ كلما نعلمه ، هو أن الليل سيبقى كاتم أسرارها مبخر دموعها ، سيكون المكان الوحيد الذي سيحتضنها في نهاية كل مطاف ، نهاية كل نهار .
نعم ، إنها هي . إنها امرأة المجتمع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *