الرئيسيةاخبار الاصلفي آذار ذكرتان لا تُنسيان في تاريخ الطائفة والامة، بقلم: منير فرّو
اخبار الاصل

في آذار ذكرتان لا تُنسيان في تاريخ الطائفة والامة، بقلم: منير فرّو

في شهر آذار فقدت الطائفة المعروفية شخصيتين عظيمتين قل مثيلهما في العالم، وقل أن يجود الزمان بمثلهما، وسيبقيان قبلة يُأم إليهما في الأزمان الباقية، وفي الأيام الحرجة التي يمر بها القطر العربي عامة والسوري خاصة، لفقدان القيادة الوطنية الحكيمة، ولتغلب التيارات الدينية التكفيرية والمتعصبة التي هي اسباب هزيمة البلدان العربية امام الهيمنة الغربية والغزو الفكري و الحضاري، فكلما تقدم زماننا المادي ضعفت القيادة وتقلص حجم الزعامة، وأصبحت غير مقبولة على الناس لتعلقها بالمادة وابتعادها عن مسك زمام الأمور بكل إخلاص.

فالشخصية الأولى لرمز الثورة الفكرية، المعلم كمال جنبلاط، الذي دعا الاوطان العربية من التحرر من كابوس الطائفية والدعوة الى النزعة الفكرية التقدمية نحو الانفتاح والحضارة مع التمسك بالقيم الروحية التي بفقدانها تنبيء كمال جنبلاط بسقوط الشيوعية الروسية.

والشخصية الثانية رمز الثورة الوطنية، القائد سلطان باشا الأطرش القائد العام للقوات السورية ضد الانتداب الفرنسي، والمحرر الاول لسوريا الوطن، والفاتح لباب استقلال الدول العربية من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، ولولا ثورته ضد لفرنسيين لما تحررت، ولا استقلت، ولا رفعت علما، أي دولة عربية في قطرنا العربي .

الشهيد المعلم كمال جنيلاط :

 

آذار عام 1977 كان يوما مشؤوما ليس لأبناء الطائفة العربية الدرزية ، وإنما للإنسانية جمعاء، ففيها سقط رجل العلم والعبقرية، رجل الفلسفة والحكمة اليونانية الإغريقية، والفيثاغورية الافلاطونية الارسططاليسية ، والهندية البوذية الكونفوشية الغاندية، والاسطورة التيبتية الصينية ، وما تخفيه حضارة الحكمة والحكماء من وراء مرتفعات القمم الثلجية ، قمم جبال همالايا ، حيث بنى ذو القرنين سدّه الشهير، والمصرية الفرعونية،المرتبطة بتوت عنخ امون ، والملك امحوتب وحتشبوت ورعمسيس ، وهرمس إدريس القرآني المثلث بالحكمة الباني الاهرام لتكون مستودعا ومكمنا لعلوم الكون واسراره ، لتتجلى فيه الذات الالهية التي هامت بحبها ارواح الصوفيين كامثال الشيخ حسين منصور الحلاج ، وابو قاسم الجنيد ، وسري السقطي ، وابراهيم بن ادهم ، ورابعة العدوية ، وحسن البصري ، وذو نون المصري وغيرهم من اتباع المذهب الصوفي التوحيدي ، الممتد من حكمة اخوان الصفا، والبابلية الاشورية الحمورابية السومرية ، الممتدة من بلاد فارس ، وما تحمل في طياتها من امثال كليلة ودمنة، ثم ما حملته الشرائع الدينية،والرسالات السماوية من اشراقات توحيدية منذ خلافة ادم في الأرض إلى طوفان نوح –ع- إلى عبور سيدنا إبراهيم –ع – ارض كلدان وظهور الأسباط الاثنعشر وقصة النبي يوسف –ع- الى ظهور النور من طور سيناء ( التوراة ) إلى سعير( يسوع الناصري ) إلى أن تلألأ في جبل فاران (الرسالة المحمدية ).
لقد سقط هذا الإنسان متخضبا بدمه كالأسد الضرغام الذي تحلى بوصفه المتنبي في قصيدة”وصف الاسد” ، ولكن هذا الرجل الذي طالما كره العنف وحمل السلاح ها هي يد الغدر تغتاله بوابل من الرصاص في مفرق “دير دوريت” اللبنانية حيث كان الشهيد في داخل سيارته المرسيدس مسافرا فنـزف الدم منه الى ربطة عنقه، فمال بجسده الى اليسار حيث حمل جانبه كتابه : “نكون او لا نكون” ، تلك العبارة التي ارغم كمال جنبلاط الصوفي والنباتي الذي كره اكل اللحوم ان يرددها أبان ثورة 1958 ضد كميل شمعون حيث قال : ” كم هو مجرم هذا الذي اضطرني على حمل السلاح أنا الذي لا اؤمن بالعنف ، ولكن اذا كان الخيار بين العنف والذل فقط فلا مجال لنا سوى العنف “.

لقد نذر الشهيد كمال نفسه للعلم والمعرفة التنويرية والفلسفة وجعل العقل اسمى هبة وهبنا اياه الخالق فعرّج عن طريق العقل الى المعرفة فغاص في علوم الفلاسفة اليونانيين والبوذيين والمصريين والصوفيين والهنديين والصينيين، واقتفى حكمة ووداعة الناصري يسوع المسيح عليه السلام ، فتعلم منه نصرة الفقراء والمعوزين وحب السلام لقول المسيح : ” طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون ” .

لقد ساهم شهيد الفكر في انشاء مدرسة العرفان التوحيدية في لبنان ووضع فكرتها لان المجتمع يرقى بالعلم والمعرفة والتوحيد هو اساس تلك المعرفة الممتدة الجذور منذ القدم والمتقمصة الادوار الكونية منذ تلك الكلمة الالهية الاولى : كن فيكن “.

في نظر المعلم الدين يجب ان يكون متطورا وروح العصر وان لا يبقى صنما يقف مكانه لئلا يصبح عبئا ثقيلا على اتباعه لان الله سبحانه كتب لنا الحياة “والإيمان بالحياة هو الايمان بالتطور فلولا التطور لما كانت الحياة “، ويقول : ” خطيئتنا الكبرى هي أننا نتطلع دائما الى الماضي الذي جعلنا منه صنما في هيكل الاصنام الذي نتعبّد ولا يمكن ان ننهض الا بالأمل وبالنزعة الى ما فوق الاوثان وما هو فوق المعتقدات والقوميات والعنصريات والتكتلات “.
لقد رأى المعلم ان تأخرنا نحن الشرقيين عن الغرب بسبب دخولنا في تفسير القومية والتي هي مستنقع ضحل تدعو الى الطائفية والتعصب الطائفي والمذهبي اللذان يولدان البغض والحقد والكراهية ويسببان الفتن والمنازعات التي تشل حركة التطور والازدهار ولبنان اكثر عرضة من غيره لتعدد طوائفه ومذاهبه وعليه يجب التغاضي عن المعتقدات والعنصريات والقوميات والتوحد تحت دستور يضمن حياة مشتركة ذات منهج تعايشي واحد ينصهر في بوتقة واحدة – وحدة وطنية وتعايش مشترك -.

لقد بلغ كمال في العلم قمة كبيرة فاتقن عدة لغات وجال في البلاد بحثا عن العلم فدخل البلاد غامضة المعتقدات كالهند ووصل الغرب ، تسمى بالمعلم وهذا الاسم لا يمنح إلا لمن بلغ الكمال الانساني وسما في جوهرية العقل والنفس وشرّف نفسه عن حب الذات والأنانية وربّاها على الاخلاق والفضيلة والبعد عن المادة والشهوات، ففتح افاقه في معرفة الذات الالهية وتبحر في فلسفة علوم الاديان السماوية وعرف حقيقتها وهي ان الاديان والمذاهب كالجداول تتجمع لتشكل نهرا واحدا يصب في مصب واحد هو توحيد الخالق والإيمان برسله واحترام النفس البشرية وصيانتها من القتل الروحي والجسدي، وتدنيسها بالشهوات البهيمية.

من خلال تأملاته وتفكيره والغوص في ذاته استطاع ان يؤلف مؤلفات تحمل افاقا وأبعادا فكرية وفلسفية في علم الروح والبدن والطب والسياسة والآداب، واضعا بذلك قوانين للنفس البشرية لتتلأئم مع قوانين الطبيعة، لذلك اتبع المعلم منهجا وأسلوبا لحياته في اكله ومشربه، حيث لا يأكل إلا النبات الغير مطبوخ، ومتجنبا المصنعات من الاغذية، لأنها سبب الامراض، ويبحث عن الهواء النقي في الجبال، ويجلس القرفصاء متربعا، متبعا رياضة اليوغا، وأما ملبسه فهو اميل الى الزهد,

لقد عبّر عن السياسه بانها يجب ان تكون شريفة لتقود المجتمع الى طريق السلامة، وذلك عن طريق النخبة الصالحة، دون ان يرشح احد نفسه، ففي حال قيام الفرد بترشيح نفسه اصبح عنده غاية ذاتية، قبل ان تكون غاية لأجل المجتمع، فهو بذلك ينظر الى الديمقراطية الغربية بالسلب لا بالإيجاب، كونها تمنح اسفل الطبقات لان ترشح نفسها، مستخدمة المال لنيل اربها.

لقد وضع المعلم افكاره في عدة كتب منها: كتاب “ادب الحياة”، و”وثورة في عالم الانسان”، و”العلاج بعشب القمح، “و”الديمقراطية الحديثة”، و”فيما يتعدى الحرف”، و” حقيقة الثورة اللبنانية ” وغيرها، من المؤلفات التي تحوي ادبا وشعرا وفلسفة,

لم يكن كمال بعيدا عن مجريات الامور السياسية في لبنان، والوطن العربي، وحتى في العالم، فقد بنى حزبا تقدميا اشتراكيا لإيمانه بالاشتراكية التوافقية لمصلحة الوحدة اللبنانية، وبعيدة عن الطائفية الفئوية.

تقلد مناصب في البرلمان اللبناني، وناضل من اجل وحدة لبنان وتقدمه، فلم يهمه حزبا معينا، بل كان يبدي رأيه لخصومه السياسيين، ويوضح لهم اخطائهم السياسية ليرتجعوا عنها، حرصا على كرامة لبنان وشعبه.

لقد جالس وعاشر معظم الرؤساء والقادة العرب، ورسم لكل واحد منهم صورة في مخيلته، فسمى جمال عبد الناصر بـ “بسمارك العرب”، وياسر عرفات بـ “سبع أرواح”، ومعمر القذافي “مزاجي ما بيتكل عليه”، وسليمان فرنجية “سكران بالفروسية”، ورشيد كرامي “احترق لبنان والأفندي نايم”، وكميل شمعون “خرّب لبنان”.

لقد وقف كمال مع الوحدة العربية، فوقف الى جانب جمال عبد الناصر، والذي نال الزعامة بفضل تعاليمه الاشتراكية والوطنية، وناصر الشعب الفلسطيني، بعكس معظم الاحزاب والمليشيات اللبنانية، التي اتفقت على ضرب الفلسطينيين اللاجئين في لبنان.

وقال عن خسارة العرب لفلسطين عام 1948 :

” لان العرب لم يعرفوا كيف يتفقون على موقف ايجابي واضح، ولأنهم اساءوا فهم الطائفة اليهودية، ولأنهم غير متماسكين بل متناحرين “.

ومما يحكى عنه انه دعا بعض زملائه الوزراء الى مأدبة في قصر المختارة، ففرحوا ظنا انه سيلاقيهم بالمناسف والقوز والقصوص والمشاوي، ولكنهم فوجئوا بمائدة من حواضر البيت، زيتون، زعتر، لبنة وبيض، فوجموا صامتين، فانتهرهم قائلا : ما بالكم تحجمون عن تناول زادي، هو عشاء واحد تتناولونه مرة واحدة في حياتكم، فما بالكم بآلاف ابناء الفقراء الذين يكادون لا يجدون مثل هذا الزاد “؟

هكذا قام المعلم بتلقين الوزراء درسا في الشعور الانساني مع الفقراء والمعوزين، وكأن لسان حاله يقول لرؤساء العالم اين انتم وصراعكم على المناصب ؟ اهتموا بحال الفقراء والمساكين ومعاناتهم، الذين لولاهم لم تصلوا الى ما انتم عليه .

ويذكر عنه ولحرصة على تعليم الاولاد، انه بكى عندما رفضت الحكومة اللبنانية طلبه بتعيين 500 معلما بحجة ان الخزينة خاوية .

لقد تنبأ كمال بسقوط روسيا الاشتراكية الشيوعية في حال عدم تعديل بعض النقاط، وهكذا حدث فعلا سقطت وتفردت أميركا بالهيمنة.

وأخيرا لا يمكن للسطور ان تف حق هذا الرجل، وستبقى البشرية جمعاء مدينة له لأفكاره وآراءه، التي فيها صيانة الانسانية من التمييز العنصري والعرقي والديني، لأنه دعا الى دولة تشبه جمهورية افلاطون الفاضلة، او اراء المدينة الفاضلة للفارابي، او كمدينة توماس مور التي اسماها ” اليوتوبيا ” وتعني البلد الذي لا وجود له لمثاليته، التي من النادر ان نجدها في عالمنا المادي هذا.

وستبقى تعاليمه حجة على السياسيين الذين اعاثوا في الارض فسادا لإتباعهم سياسة الاهواء والمقاصد، ففرقوا الشعوب بالتلاحم والنزعات الطائفية رحم الله الشهيد المعلم .

القائد سلطان باشا الاطرش:

 

قال الشاعر القروي : فيا لك “أطرشا” لمـا دعينـــــــا لثـــــــأر كنت أسمعنا جميعا

ها قد مرّ على رحيل المغفور له سلطان باشا الأطرش 33 عاما، ما زلنا نتذكره وكأنه توفي في الأمس، كيف لا؟ وهو الذي ولد في الخامس من آذار عام 1891 وتوفي في الـ 26 من آذار عام 1982، فهو باق ببقاء الدهر كبقاء ” أبو الهول” في الجيزة المصرية، ومجايلته الدهر، والذي أحسن أمير الشعراء “أحمد شوقي” في وصفه، مناجيا إياه :

أبا الهول: طال عليك العصر وبلّغت في الأرض أقصى العمــر
فيـــا لدة الدهر: لا الدهر شبّ ولا أنت جاوزت حد الصّـــــغــر
أبا الهول ما أنت في المعضلا ت لقد ضلت السبل فيك الفكــــر ّ
تحـــــــــــيّرت البدو ماذا تكو ن وضلّت بوادي الظنون الحضر
فكنت لهم صورة العنفـــــــوا ن وكنت مثال الحجى والبصــر

تعجز الكلمات عن مدح من كان بطلا في الواغات، من كان شجاعا لا يخاف الموت والآهات، ولا يطلب الموت إلا بكرامة، ولا يهمه كثرة الأعداء ورهبة سلاحهم، ولا تغره الزعامة والجاه والمناصب، ولا النساء وحب الدنيا وزينتها، نعم ذلك الرجل المتواضع بالرغم من الشهرة التي نالها واهتزت له السلاطين والملوك وكبار الدول المستعمرة وجنرالاتها،

“سلطان باشا الأطرش” القائد والثائر والإنسان الرّوحي البسيط البعيد عن حنكة السياسيين دهائهم أكاذيبهم وخداعهم، الذي خاض حروبا ضد الأتراك الطاغيين المتجبرين، الذين أعدموا والده ذوقان، فكان أول من رفع العلم العربي فوق داره معلنا بنفسه الأبية التي لا ترضخ للعتاة الكفاح والنضال،

ثم أعلن الثورة عام 1925 على المستعمر الفرنسي، الذي لا يعرف عن العرض والشرف والدين سوى التعدي والهتك والسفك والاستحلاء والاستباحة، وهذا تالله تأباه كل نفس تجري بها دماء عربية معروفية أصيلة، رضعت ثدي العزة والكرامة والمروءة والشهامة،

فأذاق الإفرنسيين كأس الحنظل مرّا زعاقا، حتى أتاه الجنرالات مطأطئين الرؤوس، أذلاء مقهورين، منهاري العزيمة، قد خارت قواهم أمام هذا المجاهد العملاق والعجيب الذي قل مثيله، فاحتاروا في أي مدرسة عسكرية تعلّم هذا البطل ورفاقه،

كما كانت شهادة أحد هذه الجنرالات “ويغان ” الى الكابيتان “بورون” : ” يمكننا القول أن الدّروز عنصر حربي لا غنى عنه لنجاح كل ثورة، فيجب إذا لإدارتهم واجتذابهم أن تنظر إليهم فرنسا بعين الحقيقة غير مغترة بالتباينات المدهشة التي تبدو في كل مكان بسوريا سواء في الطبيعة أو في الناس … وأتعجب كجندي بشجاعتهم التي لا تقمع وبجسارتهم في المعارك …” ،

وأيضا أدلى الكابيتان الفرنسي “بورون” بشهادته للدروز قائلا : ” فحسبنا أن نجاهر بالحقيقة هي رائدنا فنقول: ” إن الدرزي بشجاعته أو ببراعته في ساحة الحرب يوازي أحسن جندي أوروبي، ولسنا نعمد الى الثناء على فروسية الدروز لنبيّن فضلنا في الإنتصار عليهم، بل إننا مرغمون على إعطائهم حقهم من المدح والإطناب لنكون من المنصفين، فمعدات الدروز وهجماتهم المتتابعة واستبسالهم وثباتهم في وجه عيارات البنادق وقنابل المدافع وقذائف الطيارات تجعل منهم خصما عنيدا جبارا ومقاوما لا تلين قناته”،

وأيضا الجنرال “ديغول” الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية الفرنسية والذي حضر محاكمة “نواف غزالي” الذي اغتال الطاغية الديكتاتور “أديب الشيشكلي” رئيس سوريا عام 1945 بعد فراره الى البرازيل بعد 10 سنين انتقاما لشهداء الدروز الذين قتلهم الشيشكلي الذي كان يبغي قتل سلطان باشا لو أمكنه الأمر، ولكن سلطان فضّل اللجوء الى الأردن لمنع حرب بين السوريين أنفسهم، وعند دخوله الأراضي الأردنية رفض أن يركب سيارة تحمل العلم البريطاني لرفضه الاستعمار، وبعد خروج الشيشكلي من سوريا أعيد سلطان معززا مكرما، وذلك من خلال زيارة كان يقوم بها ديغول للبرازيل وكان لشهادته في الدروز الأثر الكبير في تخفيف مدة الحكم على نواف غزالة حيث قال : “العشيرة المعروفية من أشرف العرب وأكرمهم… إنها تحب الحق وتموت في سبيله، لا تتعدى على أحد ، ولا تنام على ضيم… حاربناها لكنها هزمتنا، ولم يذلّ الجيش الفرنسي إلا أمام العشيرة المعروفية فقط، رغم كل الإنتصارات التي حققها في أكبر المعارك المصيرية “،

وليس عجيبا أن بعث ديغول لصاحب الذكرى عند سماعه خبر وفاته تابوتا من زجاج تقديرا لبسالته وشجاعته التي لا تقهر وعزيمته التي لا تنثني. نعم كان المغفور له سلطان باشا في ساحة الحرب كالوحش الكاسر والليث الهزبر والأسد الضرغام الذي لا يعرف الهزيمة والفشل، بل يعاود الكرة كرات ليوقع الهزيمة في عدوه،

فلم ينحنى مرة أمام الذل والاستسلام ولم تدمع عينه إلا مرة واحدة، وهو الذي قاد المعارك الطاحنة ورأى الشهداء من رجاله يسقطون بين يديه ، وبقي رابط الجأش، كما قال رفيقه المجاهد “شكيب وهّاب” وذلك عند وجودهم مع سلطان في المنفى، في شرقي الأردن، بعد إخفاق الثورة السورية عام 1926، نزلت دمعة هذا القائد ليس وجعا ولا حزنا ولا خوفا وإنما حين رأى بعض رجاله في المنفى في النبك شرقي الاردن، حيث عاش مع رفاقه في واد مقفر يتقاسمون رغيفا واحدا من الخبز ليبقوا على قيد الحياة ويموتون في ساحة الجهاد دفاعا عن دينهم وعرضهم ووطنهم،

ثم نعود إلى قصة أدهم خنجر والذي كان القادح الذي انطلقت منه شرارة الانتفاضة ضد المستعمر الذي طفح ظلمه وزاد عتوه على من أبت نفوسهم الظلم والضيم وذلك بوجود بعض المتعاونين العملاء الذين غرّهم زغل دراهم وجاه المحتل، فكانت أشبه بمقتل ولي عهد النمسا عام 1914 السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الأولى بعد أسباب كثيرة وكما يقال : كانت كالقشة التي زادت على كومة القش التي يحملها الجمل حتى كسرت ظهره”،

فعندما قصد أدهم خنجر في 27 /7/1922 بيت سلطان في القرية طالبا الحماية منه من وجه الفرنسيين الذين لاحقوه ليحكموا عليه بالإعدام لإطلاقه النار على الجنرال غورو وهو في طريقه إلى الجولان لزيارة محمود الفاعور أمير عشيرة الفضل، فلم يجد سلطان حينها في البيت مما سهّل للفرنسيين القبض عليه،

ولكن عندما عاد سلطان للبيت استقبلته أمه بالدمع قائلة : ” يا ميمتي ، يا سلطان، عشرات ألوف الذبائح التي نحرتها، ونحرها أبوك وجدك من قبل، لإكرام ضيوفنا، وقد جبلت التربة حول البيت بدمائها حتى صارت حمراء، ذهبت هدرا… وانكسر خاطرنا في آخرتي!

فلما علم الخبر مشى خطوات ورجع ثم تلفت يمينا ويسارا فرأى المضافة مظلمة، ثم رأى نفسه في حوض أسود، وصار يسمع أصواتا بعيدة تطن في أذنيه، سمعها تخرج من القبور، سمع صوت والده ذوقان الذي قتله الأتراك لدفاعه عن الكرامة المعروفية، ثم سمع أصوات أعمامه وأجداده، ثم بدأ يسمع صوت العشيرة يزأر، فشعر بالدنيا تدور به لتنقض عليه، فخارت قواه وضاقت سبله،

ولكن ما لبث حتى وصلت سلطان رسالة من أدهم خنجر من سجنه في قلعة السويداء، يذكره بشهامة بني معروف وال الأطرش، وكيف أنه دخل بيته طالبا الحماية لإيمانه العميق بالطرشان، ويخبره أن حياته أصبحت في قبضة الفرنسيين، وأن فهمه كفاية…،

فازداد قلق سلطان واشتد اضطرابه، ولم يشعر بألم بمثل هذا الألم الذي فجره كلام ضيفه، فقرر أن يرسل إلى الجنرال “غورو” رسالة قال له فيها : ” الإتفاق بين فرنسا ودروز الجبل أنكم تحترمون عاداتنا وتقاليدنا، وأدهم خنجر قصدني، والضيف نحميه بدمنا، فلا تسمحوا بجعلي مضغة في أفواه العرب، إذ ليس في البلاد رجل أهين مثل هذه الإهانة…تكرموا علي بإرجاع ضيفي وقيّدوا عنقي بالجميل طول حياتي، وإذا كان العكس لا سمح الله فإني أقول بكل صراحة: إني أنظر الى موتي وإهانة ضيفي كأنهما أمر واحد والعاقبة غير محمودة … ” ،

ولكن هذه الرسالة لم تترجم ترجمة كافية للجنرال “غورو” وأظهروا له عداء سلطان للفرنسيين، مما دفعه لإرسال طائرة من دمشق إلى السويداء مكان اعتقال أدهم خنجر، لنقله إلى بيروت، ثم قتله،

فلما علم سلطان بالخبر نادى بالزحف على قلعة السويداء، ولكن الكابتين “ترانغا” أرسل ثلاث دبابات تسد الطريق أمام سلطان وقتله إذا لم يمتنع، فلما رأى سلطان تلك الدبابات انقض عليها فأطلق أحد سائقيها الرصاص عليه فأصابه في جبهته، فاستل سلطان سيفه ووثب عن حصانه على الدبابة والتي كان غطاؤها مفتوحا لشدة الحر، فقتل قائدها ومعاونيه، وعمل رفقاؤه عمله في الدبابتين الأخريين،

ومما رواه أحد المرافقين لسلطان إثناء هجومه على الدبابة، أن أحد جنودها استطاع أن يمسك بعنق سلطان، ولكن سلطان انقض على الجندي يعضه بأسنانه في وجهه حتى شرم أنفه وأذنه وخده فتلاشى ووقع صريعا فوق زميليه،

وبذلك في ليلة وضحاها صار سلطان حديث العالم، يقصون رواية بطولته هذه، وصار قومه في الجبل يلقبونه بـ”عنتر بو سنان”،

هذا العمل البطولي دب الذعر في قلوب الغزاة ولإعادة الأمن إليهم أرسل الجنرال “غورو” طائراته لتقصف بلدة سلطان والقرى المجاورة، مما دفع بسلطان الرحيل إلى الأزرق شرقي الأردن لينظم عصاباته ويبدأ صراعه مع الفرنسيين الذي انتهى بانتصاره الساحق على الجيش الفرنسي، والذي وصفه لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية بأنه ” الجيش الأعظم في العالم “، مما أجبره على الجلاء عن الأراضي السورية والإعلان عن استقلالها،

فسلطان سيبقى مغروزا في فكر كل واحد منا مهما طال الزمان، رحمك الله والى جنات الخلد يا أبا طلال ولتكن ذكراك خالدة كما أبا الهول .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.