الرئيسيةاخبار الاصلمسعد خلد: أضواء استعراضية على رواية “فاطمة” للأديب محمد نفاع
اخبار الاصل

مسعد خلد: أضواء استعراضية على رواية “فاطمة” للأديب محمد نفاع

أضواء استعراضية على رواية “فاطمة” للأديب محمد نفاع


بقلم: مسعد خلد 

تمهيد: ان اختيار قصة أو أي عمل أدبي لا يكون اختياريا عفويا بل نتاجا مركزيا في أدب الكاتب، نتعلم منه عن اتجاهه، لغته، مواضيعه، رسالته وأدواته الفنية والجمالية التي يستعملها بغية نقل مراده الى القراء. والفن الأدبي على نوعين: الايجازي بالتركيز على رسم الشخصية أو تصوير حادثة وغير ذلك، وهناك الإطنابي وإبراز اللوحة الكاملة باسهاب وتفصيل بما تتضمنه قصة طويلة أو رواية. وقد ابدع الكاتب الأديب محمد نفاع في القصة القصيرة والتي تمحورت في ابعادها الاساسية حول خصوصية مشاكل الانسان وشعوره بالغربة في وطنه من جهة وتثبيت جذوره من جهة أخرى من خلال توثيق الميراث الحضاري التاريخي الحقيقي في قوالب ادبية إبداعية، متنقلا من القصة القصيرة الى القصة الطويلة ثم الى الرواية، مؤمنا، أولا وقبل كل شيء، بقيمة الكلمة وقوتها، ومن هنا استحق وبجدارة اللقب السامي “الكاتب الأديب”. لغته العامية وتعابيره المحلية ومواضيعه ومضامينه التي عبرت عنها الصور والتشابيه والكلمات والأهازيج والأغاني الشعبية المميزة لأحداث الرواية، متبعا أسلوب السرد بلغة بسيطة ممزوجة باللغة الشعبية العامية، مع فرز كل اهتمامه ببلده فانصهر فيها ووثق كل حركة وهمسة، مترصدا لأحاديث الأهل وتراثهم، راسما كل موقع بكلماته المميزة المتميزة، وهذه صفة أولى للكاتب الحقيقي، مما جعل من هذا العمل مميزا فريدا تجدر قراءته بتمهل وتمعن، لأنه – كسابقاته- يهدف الى تثبيت جذور أعماق الذاكرة الجماعية، ومن اعتبار الأصالة في الكتابة لتعبر عن الحقيقي من بيئة الكاتب لتنقله الى العالمية على جناح الابداع.
مقدمة: يهديني بعض الزملاء والاصدقاء من الشعراء والكتاب الأدباء كتبهم، فيقع نظري اول ما يقع على الغلاف بتصميمه الخاص، ثم تفاصيل النشر والطباعة وحفظ الحقوق والفهرس ونوع الورق والخط الى التمهيد للمقدمة وراعي العمل وكلها مقبلات وبهارات لا بد منها، ثم أقلب الصفحات لأبدأ بالقراءة العميقة، والتي إما أن تدفعني وتدعوني للدخول أكثر الى العمل أو الاكتفاء بقسط معين فأضع الكتاب على الرف على امل العودة في وقت لاحق، لتمضِ أيام أو أسابيع بين إقدام وإحجام، خاصة اذا كان العمل لأحد من طبقة (المحنطين) ، أو من فئة تيسّر لها النشر رغم عسر الفهم) أو من جماعة (تفريغ الكم) بهدف الحصول على جائزة تفرغ أو منحة جمعية أو اعتلاء منصة، لكن “فاطمة” محمد نفاع (عملت عمايلها وأرخت شمايلها) مع نظريتي الغربالية، وأثبتت لي أنّ في الأمر إنّ …
كنت في كروم الزيتون، بعد ظهر يوم مشمس من أيام شباط اللباط، وفجأة قطع صمت الطبيعة هتاف جوالي، وجاء صوت الهاتف:
– مرحبا أستاذ بيحكي معك…
– هلا أبو هشام، كيف حالك؟
– بخير! أمرق عليّ في طريقك، إلك عندي غرض.
– شكرا سلفا! واجب.
تركت التنقيب عن بقول الأرض، مكتفيا بزغدة تنتول وكراث، وبضمة من العلت وكيس سنيبخة لفطاير السليقه، وهرولت باتجاه سيارتي، والتي أوقفتها بجانب أطلال كفرعنان تحت شجرة تين عارية، كأنها وتد في الأرض من أتباع بئس القضاء! فكرت أثناء طريق العودة بماهية الغرض، وتوقعت أن يكون كتابا أرسله لي أحدهم مع أبي هشام، أو رسالة عتاب من مدير جمعية تطوعية، أو ربما دعوة لاجتماع سياسي وطني، خاصة تحت الظروف الانتخابية الراهنة، واختلطت عليّ الافكار، خاصة وأن الداعي هو الأديب راعي الأدب في بلدي الحبيب!
قرعت الباب ففتح لي بوجهه البشوش وترحابه الأصيل:
– تفضل أدخل، أهلا وسهلا!
– يديم إهِـلتك! لا تواخذني أواعيي مبهدله ومليانه وحلِه.
– له يا زلمِه! وحل تراب بلادنا بمال الدنيا، الأرض هي الدايم الباقي لا بتموت ولا بتتقمّص.
– صحيح! وأنا كل جمعه لازم أطل على الأرضات أو أتمشى في جوانب البلد.
– براوو عليك! وأنا كمان مبيرح كنت في خلة العلماني وارتحت شويه على عين النوم وروحت عن طريق خلة عميره وعلى الدرجه وعل البيت عاودت.
جلسنا قليلا ثم دعاني على نقليه من أطايب النقل الأصيل، زبيب وقطين وملبس وقضامه وفزدق عبيد، ولمّا طلبت الإذن بالانصراف، طلب مني الانتظار ريثما يعود، وعاد مع “فاطمه” وأي فاطمة! إنها مختومة بتوقيعه السهل الممتنع، مزينٌ صدرها باهدائه الموجز المعجز. تناولتها من بين يديه (وتشتشتها) بين كفيّ برقة ولطف مداعبا بفرح يشبه ما أشعر به حين أداعب أحدا من أحفادي. سمّيت بين سرّي وخالقي كي لا أصيب فاطمه بالعين، وهي الرقيقة (في صوتها بحة عميقة طالعة من القلب، تنطف عليها الروح)، ثم تأبطتها متوجها الى داري. وعندما وصلت، وعلى غير عادتي، لم أبحث عن البهارات والمقدمات والنياشين، وانما بدأت ألتهم سطور فاطمه وصورها وتفاصيلها، حتى غلبني النعاس اللعين، لأستيقظ في اليوم التالي على نفس المنوال، عشت مع حكاية حنين الأيام، لمبدع فكري، موثقا تاريخ ومعالم وميراث (مملكة بيت جن) بعيونها ونبتها وطبيعتها وتقاليدها وتراثها واشخاصها، ليوصلها الى العالمية، حيث ينتظر القراء كل ما يخط. هذا ما حصل مع (الأصيلة- وديّة- ريح الشمال – كوشان) وسوف ترسخ (فاطمة) مع (التفاحة النهرية) في (أنفاس الجليل) لأن فاطمة (ليست بنت صعلوك من صعاليك العرب، ولا هي فاطمه بنت نجد وعسير وربوع الحجاز والقصيم طالبة الجامعة.. وليست أفاطم مهلا بعض هذا التدلل… وإن كنتِ قد أدمعتِ صرمي فاجملي – لامرئ القيس، ولا هي فاطمة الخطاطة- التي تضع السحر لجاراتها.. لكنها فاطمة الرواية، وكل الرواية:
فطومه يا هلاله يا مزنره بشاله
لحقوكِ الخياله لـبيــنِ لـــــبيوت
فاطمة التي كانت تنزل الى حلقة الدبكه وترقص بالسيف، وتدب النخوة في الدبيكه وترج أرض الساحة، ولعّاب الأرغول يتمايل هو الآخر مع النغم والأصوات الرجالية الطالعة من حثاثية الروح. ويكاد يطلع من ثيابه وهو يسمعهم يقولون:
لعّاب القصب حرّك صابيعك بروحي وبمال الدنيا ما بيعك
– هاي البنت عجيبه من العجايب
– من مشاهيب جهنم
– الله يسبل ستره على ولاياه وعلى جميع خلقه، صيتها فقع في كل البلاد. لا هم دنيا ولا عذاب آخره.


لكن غصة القلب هي الأخرى تغيب : “اللي يبغض الفرح بتبغضه ثيابه” وتعود الى الرقص بالسيف مثل النار المِشِعلِه، وعلى هامش حديث فاطمه مع أبطال روايتها، تحن علينا بذكر أطايب النبات وما شمل محيطها من حبق وشبرق وتفاح سكرجي وعنب صُبعين العروس، وكبوش عليق وبرقوق الخميس وقبريش ورمان لفاني وحامض وهنبل ونفله وسكر العجوز وأكواز التين المشطبه ولبانات البطم التي كانت تمضغها لكي تشد ريحة نفسها القلب، وتفرك أسنانها في قشر الجوز وتتمضمض في بول الجمال في الربيع لذلك أسنانها مثل الفضة، وتمسح شعرها في مية تقطيش العنب من شان يطول. أيضا تعرفنا على أكلات الشتاء: صحن دبس ونتفة زبيب وقطين، ومعكرونه مقليه والبسيسه وطرابيش الزلابيه والمغربية ورخوة العدس ورخوة الحمص والاقراص الناشفه، فول مسلوق وبليله. كذلك نتعرف على عادات الفلاحة والزراعة والبذار حيث بذرت فاطمه القمح الهيتي في قطاع من الأرض، كانت علامته بيت شوك فار أو علت ودردار وقرصعنه وشبرق جمال، كله نبت يابس من خير العام، تحط عليه عصافير التركمان…
– ما عمري اتهمت وليّه ولا ذبحت الطير عالمبات
– وطلعت على راس القصر حمامه وقعت على منقارها غيانه
الشحارير تغف على جب السوّيد بحذر خوفا من أشواكه الواقفة، وتنقر كوز التين، ومثلها يفعل الاسود راس والاحمر راس والشحتوت، والحسيسي والتـُتّن والتركمان والعطعوط… ويعتب الكاتب على لسان فاطمة على ما يجري من تغييب كلمات تلك الايام: حللو، بري، جوي، ترّح (لكي يدور الفدان) رمّي (لكي يقترب أكثر نحو الترمايه – ظهر السنسله الحجرية) لزّق (لكي يقترب الفدان اكثر من التلزيقة – بالقرب من جدار السنسلة الحجرية)، مضيقونِه، حِكّر، تربيعة… وجيل اليوم يتعرف على تراثنا في المتاحف (بعد أن باع الناس ما ورثوا للسماسرة الذين غزوا القرية من كل حدب وصوب، ودفعوا أبخس الأثمان ثم باعوها للمتاحف في الكيبوتسات والموشابيم المجاورة لتعرض أمام أولادنا تحت أسماء مشوّهة م-خ- بدل ان نحفظ أسماءها الحقيقية مثل أقسام العود ودلالاتها القيّمة: النير (نير العبودية)، الكابوسه والمنتعه، الشرعه (من الشرع والحق) والبيّور، والزغليّة والناطح والذكر..) ولا تنسى فاطمة أن تعرفنا على بعض معالم القرية خاصة عيون المياه، مصدر الحياة ومنبع الحكايا: عين النوم عجيبة من عجايب البلد، وفي دخنوسها تعيش غولة عين النوم، رعنها محفور في الصخر طوله أربع فحجات. وعلى عيون الجرمق والجديدِه، والحميمه، وعين البيضا والورقا والسمّورة وسرطبا، وعين طارق والجمل والجبل والسهله، وعين الذبان والرتم والجرون والخنازير، وعين الورقة وورقة السهله، على كل عين رعن من الصخر، بطول السرير، يشرب منه الطرش، الحلال، معزى (المعزى عز لا تقطعوها من دياركو..)،جمال وبقر وحمير، يصفرون بنغم معروف مألوف للخيل والحمير حتى ترغب وترتوي، وللبقر: درّي وللمعزى: قرّي وللجمال: تشؤتشؤ… والحكاية تقول بان العنزة السودا تركت ولادها الثلاثه في الصيره وراحت ترعى لتملا درتها حليب، ووصتهم ما يفتحوا الباب لحدا..
– مين هون؟!
– تفضّل فوت!
– الله يزيد فضلك.
– الصبح لله، هذا إنتِ! حسّبنا حدا بحرز عليه القيمِه في ساعة هالصباح.
الملعونه مفرفحه مثل الفرفحينه، الدم بدّه يفر من وجهها، لا هم دنيا ولا عذاب آخره، لا ولد ولا تلد، على فيالها.
– قول اسم الله يا وقلِه يا مضوّع. لكان مثلك وجهك مثل وجه الطارحه.
أخيرا أخرج من جيب قنبازه الحايل ثلاث ليرات جديدة وقال:
– خذي هاي حصتك من القباوِه والعريض- باعوها قبل ما تتصادر
– تفو عليك وعلى المصاري…
إن الشعور بالعلاقة بين الحاضر والماضي يحدد الحاضر وينبئ بالآتي، وهذا ما نجده في اسلوب الكاتب المميز. وفي أحداث هذه الرواية ما يبين هذا الحس ويتدرج نحو التأزم (سيّجت حولي الدار خوفي من العدا – تاري ما سياج الدار الا رجالها )، نداء الناطور في الليل صحّى البلد، رجال التسوية الأغراب في الأرض الشرقية، ومعهم السمسار الموظف ابن البلد الطري الرخو الدني، الارض لا تموت ولا تتقمص، في البلد ظلت كل المواقع، وعرة شرف، والسدير والرويس ومل فراش وخلة النمر والمضبعة.
جلب الربيع معه أشياء أبعد ما تكون عن هذا الموسم: (- بوليس الانجليز أهيب! – كله أعطل من بعضه.)
– هاي الارض مطوّعه جديد. قال الموظف
– والمعنى؟!
– أرض دوله.
– هاي الارض كلها موصوله في الجرمق والزابود والبيادر والبيوت والناس وعيون المي، خلقه متكامله ومشاع لكل البلد فيها وصيّه..
– روحوا على المحاكم!
– اليوم ولا كل يوم – وين راحوا النشامى. يا بُقدير التهلهللي..
– بنت حلال في حياتها ومماتها.
هذه هي “فاطمة” الرواية التي تروي غليل الظمآن ليتعرف على تاريخ مشرف ونضال حقاني لقرية صامدة لم تنحنِ أمام الظلم، وهكذا ستبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *